التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١ - الوحي يكمل العقل
قبل الاية حيث ينهى ربنّا عن اتباع الطاغوت، ويأمر بإجتنابه، والابتعاد عن إطار تأثيره الثقافي. يقول الإمامعليه السلام-: إن الله تبارك وتعالى بشَّر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال: (فبشّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أوُلوا الألبابِ) [١].
ويتساءل البعض: من أين عرفنا أنّ الآية تبشر أهل العقل والفهم؟ يبدو ذلك من أمرين:
أولا: أنّ هؤلاء لا يأخذون الكلام على علاته، ولا يرفضونه تماماً، وإنّما يختارون الأحسن منه. وهل يختار الإنسان الأحسن إلَّا بمعيارٍ عقلي؟
ثانياً: أن هؤلاء هم أُولو الألباب، ولبّ الإنسان عقله، وأصله فهمه. وكلمة أخيرة: إذا كانت من أعظم صفات المؤمنين التي يبشرهم الله بها صفة العقل واختيار الكلام الأفضل، فإنّ معنى ذلك أنّ ربَّنا سبحانه لا يطالب عباده بالاتباع المطلق للنص الذي يستمع اليه، بل الاتباع الواعي، وانتخاب ما يناسب كل فرد في زمانه وحسب ظروفه ومستواه.
الوحي يكمل العقل
ويمضي الإمامعليه السلام- في بيان علاقة الوحي بالعقل، وكيف أنّ دور الأول تكميل الثاني، والاعتماد عليه في أصل الدين وهو توحيد الله. وإنّ ذلك ليدلّ على دور العقل في سائر نواحي الشريعة الفطرية.
يقول الإمام:
(يا هشام بن الحكم! إن الله جلّ وعزّ أكمل للناس الحجج بالعقول، وأفضى إليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابّة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) [٢].
[١] - الزمر/ ١٧- ١٨.
[٢] - البقرة/ ١٦٣- ١٦٤.