بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦ - هو العزيز الرحيم
تبقى مجرد قوة. فالعزة إذن هي حالة الاستفادة من القوة بما يُفضي إلى حصول النعمة دون تطاول الآخرين على صاحبها، فكأنّ العزة مظهر تام لحالة الرَّدع الفعَّال تبعاً لتوافر القوة .. أما إذا توافرت القوة دون أن تُستخدم، ودون أن تُفضي إلى حالة الردع، فهي تبقى قوةً لا فائدة منها، بل ولعلها تتحوَّل إلى وبالٍ على ذويها.
والعزة الإلهية قد تجلَّت في سحق فرعون وجنوده الذين طاردوا موسى وقومه، وإغراقهم في لجة البحر. وكذلك تجلَّت في تدمير قوم نوح بالطوفان. فضلًا عن أنها تتجلَّى في مجمل النواميس الكونية والأرضية.
ومع أن العزة الحقيقية كلها لله تعالى، فإننا نجده يبعث الأنبياء والرسل عليهم السلام ليهدوا الناس إليه- رغم فسادهم وكفرهم-. حتى إنه تعالى ليُمهل، ويُمكِّن، ويصبر. وهذا تجلٍّ لرحمته التي وسعت كل شيء. ولكن ثمة وقتاً لأنْ تعود الكرَّة على الكافرين حين يُولُّون أدبارهم لنداء الحق، حيث تستنفد الرحمة مهمتها وأدواتها، لتحلَّ محلها العزَّة، فينتقم الله تعالى من أعدائه.
والله يقول لَهُوَ الْعَزيزُ حيث لا يجاريه ولا يدانيه أحد من خلقه بمدلول العزة والقوة. ويقول الرَّحيمُ لأنه أرحم بمخلوقه من الأم برضيعها، وقد تجلَّت الرحمة بكل أبعادها في صنع الله. والآيات اللاحقة ستختص في تبيين بعض مديات تجلي العزة والرحمة الإلهية عبر ما تسرده من قصص بعض الأنبياء عليهم السلام، لاسيما وأن قصص الأنبياء من أَكثر المحطّات أهميةً في تاريخ البشرية.
*