بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٦ - ألا تتقون؟
الإنسان يفسد الاقتصاد. فلابد من إصلاح الإنسان ليصلح الاقتصاد، وليس أجدى من التقوى إصلاحاً للإنسان، والانتهاء من الأزمة تماماً.
وما لم تتوغَّل التقوى إلى صميم الإنسان، فلن يمكن التعويل على بلوغ ساحل النجاة ومرفأ الخلاص.
أرأيت من يقصد طبيباً لألم في رأسه، ثم الطبيب يُوصيه بتناول دواء يخص الأسنان، أو العين، أو المعدة، وما أشبه، لمعرفته بأن ألم رأس المريض عائد إلى خلل في أسنانه، أو في أي جزء آخر من جسمه، وأن الرأس سالم في أصله.
ولولا حذق الطبيب وخبرته لكان قد أوصاه بتناول أدوية ظاهرها فيه العلاج للرأس الذي ليس هو أصل الألم، وهو إذ ذاك ما كان له أن يتخلَّص من ألم رأسه أبداً، اللهم إلَّا أن تنفعه الأدوية في تسكين ألمه بصورة مؤقَّتة، بل ولعل هذا التسكين المؤقَّت يتسبَّب له في آلام مضاعفة، وأمراض هي أشد في خطرها من الألم الأول.
أقول: إن المشكلة الكبرى في الاقتصاد العالمي؛ هذا الاقتصاد الذي لا يقوم من كبوة حتى يسقط في أكبر منها، لا تكمن في سيولة نقدية، ولا ارتفاع أسعار، أو قلِّة إنتاج مثلًا، فهذه ليست سوى طفح على السطح، إنما المشكلة الحقيقية هي كون الإنسان صار يعبد المادّة من دون الله سبحانه، وليس الاقتصاد بإله حتى يُعزى كل شيءٍ إليه.
والحل الأوحد والأنجع هو أن يعبد الإنسان ربَّ العالمين، ثم يجعل من الاقتصاد وسيلة يُحسِّن بها عبادته لربّه.
ولعل هذا هو فحوى وصية النبي شعيب (ع) لأصحاب الأيكة الذين فسدوا اقتصاديًّا، حيث نصحهم بتقوى ربِّهم.