بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٢٤ - لها منذرون
ولعل التعبير بمفردة القرية إنما ورد استصغاراً لذلك التجمُّع البشري المتمرِّد على السُّنن الإلهية، والمغرور بما له من الإمكانات.
٢- إِلّا لَها مُنْذِرُونَ
وإذا كانت سُنَّة العدل أحاطت بأولئك المتمرِّدين على نظام الخليقة، فإنّ سُنَّة الرحمة الإلهية اقتضت إمهالهم وإنذارهم قبل حلول العذاب بهم. من هنا فإن ربَّنا الرحمن قبل أن يُهلك القرى بعث لها المنذرين وقيَّض لها الدعاة المرشدين، سواء كانوا أنبياء، أو أوصياء، أو علماء، أو مؤمنين ناطقين بالحق.
والمُنذر يختلف عن المُهدِّد؛ فهذا الأخير يُلقي تحذيراً ويُهدِّد بالعقوبة من جانبه مباشرة على من لا يرعوي لتحذيره، أما المُنذر فهو يُحذِّر من عاقبة التمادي في الخطأ.
أرأيت الطبيب حين ينصح مريضه كيف يُنذره بأنه ما لم يستعمل الحمية- مثلًا- فسوف يُحيط به الخطر؟.
ومن الملفت للنظر أنه تعالى لم يقل: وعليها منذرون .. وإنما قال إِلّا لَها مُنْذِرُونَ، إشارة قرآنية إلى أن إنذار المنذرين المبعوثين من جانب الله إنما هو لصالحهم وليس ضرراً عليهم.
بصائر وأحكام
ينبغي للإنسان أن يجتهد حتى يجعل حركته باتِّجاه النظام الكوني العادل وينتظم معه، لأنه كائن ضمن مملكة الربِّ. وإلَّا فسوف يصطدم بذلك النظام الدقيق ويُصبح من الهالكين، لولا أنّ ربَّنا سبحانه وبرحمته يبعث إلى الناس من يُنذرهم قبل أن يُحيط بهم الخطر، أو يحلّ بواديهم العذاب العظيم.