بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٢ - عذاب يوم عظيم
فلا عجب- إذن- من أمر الله تعالى بخروج الناقة من بين صخور الجبل. غير أن ثمودَ لم يُصدِّقوا ما كانوا قد رأوا بادئ الأمر، ولكن صالحاً (ع) عاد بهم إلى رشدهم، إذ قال لهم هذِهِ ناقَةٌ، لأنهم كانوا يعرفون أن الناقة إنما تخرج من رحم أمها؛ لا من رحم الجبل. ولكنهم لم يجدوا بُدًّا من التصديق حينما رأوها، تمشي وتحنُّ إلى فصيلها، ويسمع صوتها القريب والبعيد.
فهي ليست مجرد ناقة عادية، فهي من أمر الله تعالى الذي يفوق قدرة التصوُّر البشري، لا سيما وأن طغيان ثمود كان يسوقهم إلى الظن بأن صالحاً (ع) سيعجز عن إثبات نبوته، حينما تحدَّوه بالإتيان بآية مبصرة.
٢- لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
ولقد كان يسيراً على الله تبارك وتعالى أن يجعل ناقته غنية عن الشراب أو الطعام ما دامت تُجسِّد المعجزة.
ولكن تخصيصها بهذه الميزة يُنبئ عن أمر مُقدَّر من جانب الله تعالى، وهو امتحان ثمود وتحميلهم مسؤولية مطالبتهم بالمعجزة، والتمهيد لعقابهم على جريرتهم الأولى والكبيرة، وهي: تكذيب المرسلين، والكفر بالله خالق الخلائق. فأراد الله تعالى أن يرتقي بقوم ثمود إلى عالم المسؤولية تجاه نبيِّهم، وتجاه ما جرى على يده من الأمر المعجز، ويمتحن مدى تصديقهم للرسالة.
وكان من أول معالم عالم المسؤولية والنُّضج المتوقعة من قوم ثمود، أن يهجروا ترفهم، فيعترفوا بحرمة النبي، وحرمة المعجزة، ويتقيَّدوا بلوازم هذه المعجزة، فلا يعتدوا عليها بما رسم الله لها من الميزات، ومنها: تخصيصها بيوم يكون لها فيه شرب.