بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٣ - كذبت ثمود
وقد تبيَّن لنا من السياقات القرآنية السابقة أنْ ما من تجمُّع بشري قد انتهى إلَّا بعد أن أتاه النذير، إذ الله تبارك وتعالى أرحم بعباده من أن يُهلكهم بلا سابق إنذار.
ومما تكشفه لنا هذه الآية الشريفة أن ثمود بتكذيبها رسولها صالح (ع) تكون قد كذّبت بجميع المرسلين؛ ذلك لأن التكذيب ببعض الحق ينجرّ إلى التكذيب بالحق كله، لأن الحق لا يتجزأ.
لماذا؟.
لأنه إذا كان المعيار لدى الإنسان هو الحق، فلا يمكن تصوُّر الإيمان ببعض الحق دون البعض. أما إذا كان المعيار عند الفرد هوى النفس، أو اتّباع المجتمع، فإنه ليس حقًّا.
أرأيت من يؤمن بالصلاة ويؤديها، ولكنه في الوقت نفسه يجحد فريضة الصيام أو الحج؟. أَوَلَيس مثله يُعدّ في عرف الشرع مرتداً، لأنه رضي لنفسه أن يكون ندًّا لله عزَّ وجلَّ في شرعه؛ كمن يجعل لربِّه ندًّا وشريكاً في وجوده؟.
ولعل ثمود قد أُرسِل إليها أكثر من رسول في الحقبة التي تواجد فيها النبي صالح (ع) بين ظهرانيهم، أو إن ثمود حين كذَّبت بالرسول صالح تكون قد اختارت تكذيب من سبقه من المرسلين.
فكان كفرهم بهذا الرسول منتهى التكذيب بسلسلة المرسلين السابقين، إذ التكذيب برسولٍ هو تكذيب- في الحقيقة- بإرادة الله سبحانه وتعالى في خلقه؛ لأن المرسلين جميعاً تجلٍّ للإرادة الإلهية في هداية الأمم، والشعوب، والأفراد. ورفض نموذج واحد من هذا التجلِّي العظيم، رفض لجميع نماذجه، وهو لعمري ذنب عظيم.