بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - وبُرِّزت الجحيم
المخدوعون من قبل غيرهم؟.
يبدو أنهم الذين يغوون أنفسهم، حيث لا ينفعهم ما لديهم من العلم. وهذه من أهم المشاكل النفسية التي يُعاني منها الإنسان. إذ ليس بالضرورة أن يتم خداعه وإضلاله من قبل الآخرين. فهو يُغوي نفسه بنفسه، وذلك عندما يستبد به الغرور والكبر، إذ يُنكر الحقائق رغم وضوحها، حتى إنه لدى ذلك يتجرَّأ على الدعاة إلى الله، والمهتمين بإبلاغ الحقائق إلى الناس، فيحاول إسقاطهم.
وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: «.. بِئْسَ الْقَوْمُ، قَوْمٌ يَقْذِفُونَ الْآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ» [١].
بلى؛ إن أعظم الخداع؛ هو خداع الذات. فإذا خدع المرء نفسه، فمن يقدر على هدايته وهو قد خدع نفسه عن سابق إصرار، وهو حينذاك كما المريض الذي يأبى تناول الدواء، متجاهلًا مكانة الطبيب وعلمه بدائه ودوائه.
بل لعل مثل هذا الفرد لا ينفعه الدواء وإن تناوله مرغماً، لرفضه التام والمسبق لمصداقية المداوي والدواء.
علماً بأن الحق حق، والباطل باطل، ولا مدخلية لأهواء الناس في تحديد الحق وتمييز الباطل. وحيث نتأمل جيداً، نجد أن هذه البصيرة واضحة جدًّا مع أنها تعكس أزمة كبرى لدى البشر، الذين يخدعون أنفسهم، ويؤمنون بأن ما يرونه هو الحق، وليس هناك حق خارج إطار ظنونهم وأهوائهم.
فيا ترى ما هي هذه الغواية للذات؟. هل هي سُنّة إلهية؟. أم هي نابعة من الجهل المركب الذي يركس فيه البشر؟. أم
[١] بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ٣١١.