بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٠ - المعجزة امتحان إلهي
الجمع، وهو لم يستخدم معاجزه للخلاص من السجن.
وحسب المأثور في روايات أهل البيت عليهم السلام، فإن فترة السجن لموسى وهارون عليهما السلام لم تكن فترة يومٍ أو يومين، وإنما استمرت وطالت حتى تم جمع السحرة من مختلف المدن والبقاع التي كانت خاضعة لسيطرة فرعون مصر الكبيرة.
لقد كان المقصود من الشيء المبين- في خطاب موسى (ع)، لفرعون- هو المعجزة الإلهية التي تجري على يده بإذن الربِّ القهَّار، وكانت المعجزة الموسوية عصاه التي ما لو ألقاها تنقلب ثعباناً كبيراً ومبيناً.
ومن الواضح جدًّا، هو أن موسى (ع)، قد استنفذ كل طاقته قبل أن يلجأ إلى استخدام المعجزة، وهو قد أظهر صبراً كبيراً على تمرُّد فرعون على إرادة الله سبحانه وتعالى، ولم يستهن بجميع ما فُرض عليه من مُقدِّمات ومناظرات وتحدِّيات .. وهذا هو ديدن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، بل لعل الأرقى منهم والأفضل هو الذي يبذل جهوداً أكبر، ويحتمل أذىً وألماً أشدَّ وأقسى.
ولذلك لم يكن من الغريب أن يكون سيِّد الأنبياء والرسل وخاتمهم، وهو نبينا الأكرم (ص)، أن يقول في حديثه الشريف: «مَا أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ مَا أُوذِيْتُ» [١]، لعظيم ما تحمَّل من الأذى من قومه في نفسه (ص)، وفي آل بيته عليهم السلام، بعد حياته الدنيوية .. لعلمه القاطع بأن استخدام المعجزة يستدعي نزول العذاب على من يجحد الحق الكائن إلى جانب المعجزة. ولكنه لطالما دعا للناس بالهداية، وكان يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [٢].
[١] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٣٩، ص ٥٦.
[٢] بحار الأنوار، ج ٢٠، ص ٢.