بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٤ - جنة الخلد وعد المتقين
التي وسعت كل شيء؛ أن تتواصل تلك الرحمة إلى حد الخلود.
٢- الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.
الله سبحانه وتعالى وعد، ولكن لمن توجَّه هذا الوعد؟.
لأشخاص محدّدين وصفوا بالمتقين. والوعد هنا لا يتصور منه دخول نوع من الجبر والإجبار على الله عز وجل، بل الله لم يصدر وعده هذا مجبرًا، كما أنه تبارك وتعالى لا يفي به مجبرًا، لأن علاقة الله بوعده تتفاوت عن علاقة الإنسان بوعده ومنشأ هذا التفاوت كون الله خالقًا وكون الإنسان مخلوقًا ضعيفًا مُعرَّضًا لأشكال الضغوط والشهوات والحاجات.
فإذا اضطر ابن آدم، تبعًا للضغوط والشهوات والحاجات، إلى أن يخلف وعده، فإن الله الخالق قد تقدَّس عن ذلك وتعالى عن دائرة الشهوة والحاجة، فهو إذن لا يخلف وعده أبدًا، وبالتالي لا يكون وفاء الله بوعده ذا علاقة بمبحث الجبر والفرض، بل إنه عز وجل أمرنا بالوفاء بالوعد والصدق في القول؛ لأن هذا من صميم الحق والعدل، فلا يعقل أن يخلف الله وعده. جاء في دعاء مأثور:
(وَقَدْ عَلِمْتُ يَا إِلَهِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَقِمَتِكَ عَجَلَةٌ، وَلَا فِي حُكْمِكَ ظُلْمٌ، وَإِنَّمَا يَعْجَلُ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ يَا إِلَهِي عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيراً)[١].
وهذا الوعد بالتكرم بجنة الخلد موجَّه إلى ذي التقوى الذي تدفعه تقواه إلى التخلُّص من النار. فالتقوى حجاب بين الإنسان
[١] مصباح المتهجد: ص ١٩٥.