بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - هكذا يبيت عباد الرحمن
إن القيم التي يلتزم بها الإنسان- أيّ إنسان كان- وفي أيّ مكان؛ تنقسم إلى قسمين رئيسين:
- قيمة دفع الضرر.
- قيمة جلب المنفعة.
وكلما بحثنا عن القيم وجدناها في نهاية المطاف تنتهي إلى هاتين القيمتين. وربنا المتعال يشير إلى هذه القضية بقوله الشريف: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [١]. فالإطعام هو جلب منفعة، والأمن دفع الضرر.
ولا ريب في أن دفع الضرر مُقدَّم على جلب المنفعة عادة. وهذا في الواقع أمر فطري غرزه الله سبحانه وتعالى في الإنسان.
وهكذا تجد عباد الرحمن يتضرَّعون إلى ربِّهم ليدفع عنهم الضرر، بل النار، التي هي أعظم خطر وأكبر خسارة. وكما قال الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام:
(مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ ..) [٢]
. حينما يضع الإنسان العتق من النار هدفًا رئيسًا لحياته، تتحسَّن جميع صفاته. أما بعض الناس، وهم القسم الأكبر منهم، لا ورع لديهم، فتراهم يفعلون الخير ويفعلون الشر ولا يدرون أي الكفتين لديهم راجحة. وهذه مشكلة كبيرة في حياة الناس.
لذلك؛ نجد ربنا المتعال يقول:
٢- إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً.
والغُرم هو الخسران ويقابله الغُنم. فعذاب جهنم خسارة
[١] سورة قريش، آية: ٣- ٤.
[٢] نهج البلاغة، حكمة رقم: ٣٨٧.