بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - الكفار أضل من الأنعام سبيلًا
ونقرأ في التاريخ أن أحد قادة قريش جاء إلى النبي (ص) وطلب منه أن يعرض عليه الدين، فتلا عليه آياتٍ من سورة فُصِّلت الكريمة، فما أن بلغ النبي من الآية الكريمة: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [١]، فاذا بالوليد لا يتحمل المزيد، بل اقشعر بدنه، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته (من شدة تأثره بالقرآن) ومر الى بيته، ولكنه مع ذلك اعتبره سحراً [٢]. لماذا؟ لأنه لم يستطع أن يواجه ما في نصوصها من حقائق مناقضة لمسبَّقاته الفكرية وموروثاته الثقافية، ولأنه كان يرفض التفاعل الإيجابي مع النص القرآني الصادق، تماديًا في غَيِّه.
٢- إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
حيث يفقد الإنسان منهجية التفكير، ويتجبَّر على آيات الهدى إلى مصاف الأنعام، بل يهبط إلى ما هو أدنى منها. لماذا؟.
لأن الأنعام تعيش تابعة لما أودع الله تعالى فيها من الغرائز، فلا تجد لنفسها مناصًا من الانقياد لتلك الغرائز، وهي تكفيها لاستمرار حياتها ومواجهة الأخطار. أما الإنسان الذي كرَّمه الله تعالى بالقدرة على التعقل، فإنه لا يقدر على مواجهة التحديات إلَّا به، فإن لهم ينتفع به فإنه سوف يُمسي أسوء من الأنعام، لأنه لم يستفد من هذه القدرة التي تعين البشر على التطوُّر في الحياة عبر سبر الحقائق وتسخير الطبيعة بها، ولكنه حين أبى بعناده واستكبر بغروره وأنانيته .. أنَّي له أن يتطور ثقافيًّا وهو قد أغلق على عقله كل منفذ يمكن أن يمر من خلاله شيء جديد؟. ولذلك؛ فإن مثل هذا الفرد يخلق لنفسه دائرةً محكمة الإغلاق ثم يتقوقع فيها، فإذا جاء شخص وأراد أن يكسر طوق هذه
[١] سورة فصلت، آية ١٣.
[٢] بحار الأنوار، ج ٩، ص ٢٤٤، الحديث ١٤٨.