بينات من فقه القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - كفى باللَّه هاديًا ونصيرًا
من المجرمين الذين يُعلنون الحرب على منهجه وعلى وصيه وعلى أتباعه، لكي يتم ابتلاء الناس بهم، وليتميَّز به الخبيث من الطيب، وليحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بيّنة.
وهذا العدو لكتاب الله، يُمارس عداءه بحق حفظة حافظي الكتاب، وهم الأوصياء والأولياء. ويتمثل عداءه في صور شتى، حيث لا يكتفي بتكذيب الكتاب وسخرية الجاهلين له، بل يتجاوزه إلى خلق الافتراءات ضده وضدهم، وحتى مواجهتهم بالتشريد والقتل، وبذلك يصبح مجرمًا. وبإجرامه يزداد بُعدًا عن منهج الله، هو ومن اتَّبعه. وبذلك تتحقق سنة الفتنة للخلق حيث يجد أمامه النجدين: نجدًا يؤدي به إلى الجنة، وآخر يهوي به إلى الجحيم.
والجعل الإلهي هنا لا يعني إجبار البعض على أن يكونوا أعداء مجرمين بحق النبي وما يمثل من خط إلهي، وإنما الجعل هنا بمثابة التقدير الإلهي لهذه الدنيا؛ حيث إن حركة كل نبي لابد وأن تُقابلها حركة عدو، من المجرمين الذين يختارون بمحض إرادتهم- التمرُّد على الحق والكفر به، ويتمادى هؤلاء حتى يسقطوا في هاوية الصراع مع الأنبياء.
وفي الآية ردٌّ بالغ لوسوسة شيطانية: كيف ترك الله رسالاته ورسله عُرضة لإيذاء الكفار ولشبهاتهم؟.
والجواب:
لأن الدنيا دار فتنة، ولو أن ربنا كان يقمع أعداء الرسالة كليًّا لم تتوفر فرصة الاختيار للبشر، بل كان الناس جميعًا يدخلون في دين الله. فلم يُعرف المؤمن من المنافق، لأن كثيرًا منهم كان يدخل في الدين طمعًا وخوفًا وليس بخلوص النية.