الإقبال بالأعمال الحسنة - ط الحديثة - السيد بن طاووس - الصفحة ٦١
و اتباع روح الحياة.
و ابتدر[١] القوم إلى رأس طال ما قبّله محمد صلوات اللّه عليه و عظّمه، يريدون ان يسفكوا بسيف ضلالهم دمه، فذلّت رقاب الكتب المنزلة لهتك حرمتها و أعولت شرائع الدين بسفك دماء أئمّتها، و اشتدّ غضب اللّه جلّ جلاله و ملائكته و أنبيائه و خاصّته عليهم، و قدّم لهم من إنزال العذاب عليهم انّه سلبهما الألطاف و تركهم صمّاً و عمياً و بكما، و نادى: يا أهل الأسماع «وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي[٢] لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً»[٣].
فتقدّموا و أقدموا على التفريق بين رأس عظيم و جسد كريم يعزّ على اللّه و على رسوله و على خاصّته ان يقدم أحد من الخلائق على كسر حرمته و ذهاب مهجته، فمدّوا إليه يداً آباؤه الطاهرون بسطوها بعد الانقباض، و أزالوا عنها يد ملوك الدنيا حتّى بلغوا لها نهايات الأغراض، و جعلوا على نحره الشريف سيفا كان لجدّه و أبيه و له، و في أيديهم عارية مضمونة، فسفكوا به دماء مصونة.
فكاد الإسلام ان يموت بمماته، و كلّ ذي روح يختار الفناء لزوال حياته، فتلقى روحه محمّد جدّه و أبوه و أمّه و اخوه صلوات اللّه عليهم، و قد ارحقها تعب الجهاد، و أتعبها مقاساة أهل الفساد و العناد.
ففرش اللّه جلّ جلاله له فراش العنايات، و بسط لها جدّه محمد صلوات اللّه عليه و آله بساط الكرامات، و اجتمعت أرواح الملإ الأعلى، فمن بين معزّ لسيّد الأنبياء و باك لهذا الابتلاء، و بين راحم للحرم الضعيفات، و متأسف على هتك الحرمات و دروس[٤] الآيات و الدّلالات، و شرع الأعداء في نهب بنات الرسول و حرم البتول، ينزعون عنهنّ ملاحفهنّ و ارديتهنّ و مقانعهنّ و استارهن.
[١] ابتدر القوم أمراً: بادر بعضهم بعضا إليه أيهم يسبق إليه.
[٢] الإملاء: الإمهال.
[٣] آل عمران: ١٧٨.
[٤] درس الشيء: ذهبأثره.الإقبال بالأعمال الحسنة