الإقبال بالأعمال الحسنة - ط الحديثة - السيد بن طاووس - الصفحة ٦٠
يهجمون على الحرم و الأطفال بالقتال و الاستئصال، و هو صلوات اللّه عليه مع ما جرت الحال عليه يدعوهم إلى اللّه جلّ جلاله، و يحذّرهم من القدوم عليه، و يذكّرهم بلقاء جدّه لهم يوم القيامة صلوات اللّه عليه، و عقولهم قد هربت بلسان الحال منهم، و قلوبهم قد ماتت بسيف الضّلال الذي يصدر عنهم.
فلم يرحموا حرمة لوحدتها و لا أسره لضعف قوّتها، و لم يقفوا موقف مروّةٍ و لا حياء و لا اخوّة و لا وفاء، و قصدوا نحو الحسين عليه السلام يقتلونه وحيداً فريداً من الأنصار قتل أهل العداواة، و لا يستحيون من وحدته و انفراده و ضعف جلده[١] عن الّذي يريده من جهاده، فرموه بسهامهم و سعوا إلى سفك دمه بأقدامهم.
و كاد لسان حال سيد الأنبياء و فاطمة الزهراء و ابنها الحسن المسموم بيد الأعداء، ان يعجزوا عن احتمال ذلك البلاء و الابتلاء، و شقّقت الجيوب و بكت العيون، و قال لسان تلك الأهوال: ان هذا لهو البلاء المبين، و اشتغلت عقول الأبرار و قلوب الأطهار في الجلوس على بساط العزاء و اجتماع أرواح الأنبياء و الأولياء و اقامة سنن المصائب و المأتم و ما يليق بتلك النوائب و العظائم.
فلم يزل أهل الضّلال على قدم التهوين باللّه و برسول اللّه و بوليّ اللّه و نائب اللّه و ابن نبيّ اللّه و حجة اللّه، حتى أثخنوه[٢] ضرباً بالسيوف و طعناً بالرماح و رمياً بالسهام و جهداً بإقدام بعد اقدام، حتّى سمحت جواهر وجوده بمفارقة روحه و لقاء مالك سعوده.
فرماه الطّغاة عن فرسه إلى التراب على خدّه العزيز العزيز عند ربّ الأرباب العزيز العزيز، عند جدّه محمّد مالك ملوك ذوي الألباب العزيز العزيز، على أبيه الّذي أقامهم على منابر الإسلام و وطّأ لهم مواطئ الاقدام العزيز العزيز، على أمّه فاطمة سيّدة نساء العالمين العزيز العزيز، على أخيه الحسن سيد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين العزيز العزيز، على الأنبياء و المرسلين و عباد اللَّه الصالحين، فوضع بلسان الحال كلّ عبد من أهل الإقبال خدودهم على تراب المواساة، و ندبوا و بكوا و استغاثوا لقتل أهل النّجاة
[١] الجلد: القوة.
[٢] ثخن في العدو: بالغو غلظ في قتلهم.الإقبال بالأعمال الحسنة