المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٦٥ - محاسن الغيرة و الحجاب
يقال لها «أمة العزيز» ، فأهداها للمهدي، فلما رأى حسنها و جمالها و هيئتها قال: «هذه لموسى أصلح» ، فوهبها له، فكانت أحب الخلق إليه، و ولدت له بنيه الأكابر. ثم أن بعض اعداء الربيع قال لموسى أنه سمع الربيع يقول:
«ما وضعت بيني و بين الأرض مثل أمة العزيز» فغار موسى، فدعا الربيع، فتغدى معه، و ناوله كأسا فيه شراب؛ فقال الربيع: «فعلمت أن نفسي فيها و إني أن رددته من يدي ضرب عنقي، فشربتها و انصرفت» ، فجمع ولده و قال: «إني ميت» ، فقال الفضل ابنه: «و لم تقول ذلك، جعلت فداك» ؟ قال: «إن موسى سقاني شربة فأنا أجد عملها في بدني» ، ثم أوصى بماله و مات في يومه.
قيل: و طرب الرشيد إلى الغناء متنكرا، و معه خادمه مسرور، حتى انتهى إلى باب إسحاق بن إبراهيم الموصلي [١] ، فقال: «يا مسرور!أقرع الباب» ، فخرج إسحاق، فلما رأى الرشيد انكب على رجله، فقبلها، ثم قال: «إن رأى أمير المؤمنين أن يدخل منزل عبده» ، فنزل الرشيد. فدخل فرأى أثر الدعوة، فقال: «يا إسحاق إني أرى موضع الشرب من كان عندك» ؟قال: «ما كان عندي يا أمير المؤمنين سوى جاريتي كنت أطارحهما» ، قال: «فهما حاضرتان» ؟قال: «نعم» ، قال:
«فأحضرهما» ، فدعا الجاريتين، فخرجتا، مع إحداهما عود، حتى جلستا، فأمر الرشيد صاحبة العود أن تغني فغنت:
بني الحبّ على الجور فلو # أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في وصف الهوى # عاشق يكثر تأليف الحجج
فقليل الحبّ صرفا خالصا # هو خير من كثير قد مزج
فقال الرشيد: «يا إسحاق لمن الشعر و الغناء فيه» ؟قال: «لا علم لي
[١] إسحاق بن إبراهيم الموصلي زعيم الحركة الموسيقية في بغداد في عهد الرشيد و خلفائه. كان مع أبيه يدرب الفتيان على الغناء و يبيعهن باثمان باهظة.