المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٣٤ - غدر النساء
الملك، بسعادة الجدّ، و رزقت على أعدائك الظفر، و أعطيت الخير، و جنبت طاعة النساء» . فغاظ ذلك شيرين، و كانت أجمل نساء عصرها، و أتمهن عقلا، فقالت لكسرى: «أيها الملك!إن هذا الموبذان قد طعن في السن، و لست مستغنيا عن رأيه و مشورته. و قد رأيت لحاجتك إليه أن أهب له «مسكدانة» ، جاريتي؛ و قد عرفت عقلها و جمالها، فإن رأيت أن تسأله قبولها، فافعل» .
فكلم كسرى الموبذان في ذلك، فهشّ للجارية لمعرفته بجمالها و فضلها، فقال: «قد قبلتها أيها الملك، لا يثارها إياي بأفضل جواريها» .
فقالت شيرين لمسكدانة: «إني أريد أن تأتي هذا الشيخ، فتبدي له محاسنك، و تجيدي خدمته، فإذا هش لمضاجعتك، فامتنعي عليه حتى توكفيه و تركبيه، و تعلميني الوقت الذي يتهيأ لك ذلك حتى لا يعود إن يزيد في تحية الملك: «و وقيت طاعة النساء» فقالت مسكدانة: «أفعل يا سيدتي» .
ثم انطلقت إلى الشيخ، فصارت عنده في داره التي يحتلها من قصر الملك؛ فجعلت تخدمه، و تبرّه، و تظهر له الكرامة، و هي مع ذلك تبرز له محاسنها، و تشف له عن صدرها و نحرها، و تبدي له ساقيها و فخذيها، فارتاح الموبذان إليها، و شرح صدره لمضاجعتها، فجعلت تمتنع عليه، فيزداد في ذلك حرصا. فلما ألحّ عليها، قالت له: «أيها القاضي!ما أنا بمجيبتك إلى ما سألت، حتى أوكفك و أركبك؛ فإن أجبتني إلى ذلك، صرت طوع يدك فيما تريد و تدعو إليه من مسرّتك» .
فامتنع عليها أياما، و بقيت تتزين له بزينتها، و تكشف له عن محاسنها، حتى عيل صبره، فقال لها: «أ فعلي ما أحببت» . فهيأت له برذعة صغيرة، و إكافا صغيرا، و حزاما و ثفرا، و أقامته عريانا على أربع، و وضعت على ظهره البرذعة، و الأكاف، و جعلت الثفر تحت خصيتيه، و هي قائمه، و ركبته و هي تقول: «خرخر » .
و أرسلت إلى سيدتها شيرين تعلمها بذلك، فقالت شيرين للملك: