المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٩٦ - مساوئ البخل
و في المثل: هو ابخل من أبي حباحب، و هو رجل في الجاهلية من بخله أنه كان يسرج السراج، فإذا أراد أحد أن يأخذه منه أطفأه، فضرب به المثل. و منهم صاحب نجيح بن سلكة اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحا اليربوعي خرج يوما يتصيد، فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى اكمة، فإذا هو برجل اعمى اسود قاعد في اطمار، بين يديه ذهب و فضة و در و ياقوت، فدنا منه فتناول بعضها و لم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاه، فقال:
يا هذا، ما هذا الذي بين يديك؟و كيف يستطاع أخذه؟و هل هو لك أم لغيرك؟فإني أعجب مما أرى اجواد أنت فتجود لنا أم بخيل فاعذرك؟فقال الأعمى: اطلب رجلا فقد منذ سنين و هو سعد ابن خشرم بن شماس فأتني به نعطك ما تشاء، فانطلق نجيع مسرعا قد استطير فؤاده حتى وصل إلى قومه و دخل خباءه و وضع رأسه فنام لما به من الغم لا يدري من سعد بن خشرم، فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي بني محلم من ولد ذهل بن شيبان، فسأله عن بني محلم ثم سأل عن خشرم بن شماس فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه فحياه نجيح، فرد عليه السلام، فقال له نجيح: من أنت؟ قال: أنا خشرم بن شماس. قال له: فأين ولدك سعد؟قال خرج في طلب نجيح اليربوعي و ذلك أن آتيا أتاه في منامه فحدثه أن مالا له في نواحي بني يربوع لا يعلم به إلاّ نجيح اليربوعي، فضرب نجيح فرسه و مضى و هو يقول:
أ يطلبني من قد عناني طلابه # فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم
أتيت بني يربوع تبغي لقاءنا # و جئت لكي ألقاك، حيّ محلم
فلما دنا من محلته استقبله سعد فقال له نجيح: أيها الراكب هل لقيت سعدا في بني يربوع؟قال: أنا سعد فهل تدل على نجيح؟قال: أنا نجيح. و حدثه بالحديث فقال: الدال على الخير كفاعله-و هو أول من قالها-فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان فتوارى الرجل الأعمى عنهما و ترك المال فأخذه سعد كله، فقال نجيح: يا سعد قاسمني، فقال له اطو عني و عن مالي