المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٣٢٧ - محاسن الهدايا
لحنا، و أمر مسرورا بإخراجها من وراء الستارة؛ ثم لم يزل إسحاق يردد هذه الأبيات حتى احكمتها شمائل، و غنت، فكأن سقط الدر يتناثر من فيها؛ و أمر لإسحاق بمال، و للجارية بخمس و صائف، و خمسة آلاف دينار.
قال المبرّد: أهدى اليزيدي [١] إلى الرشيد، يوم فصد، جام بلّور، و شمامات غالية، و كتب إليه: يا أمير المؤمنين؛ تفاءلت في الشرب في الحمام بجمام النفس، و دوام الأنس، و الغالية للغلو في السرور، و لازدياد من الخير و الحبور، و قلت:
دم الفصد من يدك العاليه # يداعي لجسمك بالعافيه
كسا الدّهر ثوبا من الأرجوان # بديع الطّرازين و الحاشيه
و عصفر صفحة وجه الرّبيع، # بصبع من أسراره الجاريه
فكم روضة نشرت وشيها، # و زهرة روض غدت زاهية
إمام أسال دم المكرمات # فشجّج أقتالها الحاميه
فلا زال في عيشة راضيه # و دامت له النّعمة الكافية
قال اليزيدي: افتصد المأمون، فأهدت إليه: «رباح» اترجة عنبر عليه مكتوب بماء الذهب:
تعالج من هويت بفصد عرق # فأضحى السّقم في خلع الخضوع
و جاءت تحفة الأحباب تسعى # بورد فائض فيض الدّموع!
فقال المأمون لليزيدي: «ويحك، ما تقول فيمن كتب هذين البيتين» ؟قال: «يكافأ بالدنيا و ما استدقّ منها» ، فأمر لها بمال كثير، و وصلني ببعضه.
[١] اليزيدي (١٣٢-٢٠٢ هـ) يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي. عالم بالعربية و الأدب من أهل البصرة. قدم بغداد ليؤدب ولد يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، فنسب إليه. اتصل بالرشيد فكلفه بتأديب المأمون. من كتبه: النوادر في اللغة. له خمسة أبناء أدباء: إبراهيم و إسماعيل و عبد اللّه..