المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٣١٤ - النيروز و المهرجان
و جعل الخمسة الأيام الأولى للأشراف، و بعد خمسة أيام نيروز الملك، يهب فيها و يصل، ثم بعدها خمسة أيام لخدم الملك، و خمسة أيام لخواص الملك، و خمسة أيام لجنده، و بعدها خمسة أيام للرعاع، فذلك ثلاثون يوما. و ابتدع المهرجان أفريدون لما أسر البيوراسف روز مهر، و كان الملك إذا لبس زينته، و لزم مجلسه في هذين اليومين، أتاه رجل رضيّ الإسم، مختبر باليمن، طلق الوجه، ذلق اللسان، فيقوم قبالة الملك، و يقول:
«ائذن لي بالدخول» فسأله: «من أنت؟و من أين جئت؟و أين تريد؟و من سار بك؟و مع من قدمت؟و ما الذي معك» ؟فيقول: «جئت من عند الأيمنين، و أريد الأسعدين، و سار بي كل منصور، و اسمي خجسته، أقبلت معي السنة الجديدة، و أوردت إلى الملك بشارة، و سلاما، و رسالة» .
فيقول الملك: «ائذنوا له» ، فيقول له الملك: «ادخل» ، و يضع بين يديه كوبا من فضة، قد جمع في نواحيه أرغفة قد خبزت من أنواع الحبوب من البرّ و الشعير و الدخن و الذرة و الحمص و العدس و الأرز و السمسم و الباقلى و اللوبيا، و جمع من كل صنف من هذا الحبوب سبع حبّات، فجعل في جوانب الخوان، و وضع في وسطه سبعة من قضبان الشجر التي يتفاءل بها و باسمها، و يتبرّك بالنظر إليها كالخلاف و الزيتون و السفرجل و الرمان، منها ما يقطع على عقدة، و منها على عقدتين، و منها على ثلاثة، و يجعل كل قضيب باسم كورة من الكور، و يكتب في مواضع «ابزود و ابزائد و ابزون و بروار و فراخي و فراهية» تأويله «زاد و يزيد و زيادة و رزق و فرح وسعة» ، و يوضع سبع سكرجات بيض، و دراهم بيض من ضرب سنته، و ديناره جديد، و ضغث من إسبند، و يتناول ذلك كله، و يدعو له بالخلود و داوم الملك و السعادة و العزّ، و لا يؤامر يومه في شيء، اشفاقا من أن يبدو منه ما يكره، فجرى على سنته، و كان أول ما يقدم إليه صينية ذهب أو فضة، عليها سكر أبيض، و جوز هندي مقشّر رطب، و جامات فضة أو ذهب، و يبتدئ باللبن الحليب الطري منه، قد أنقع فيه تمر طري، فيتناول بالنارجيل تميرات، و يتحف من أحب منه، و يذوق ما أحب من الحلوى، و كان يرفع في كل يوم من أيام النيروز بازا أبيض، و كان ممن يتيمّن بابتدائه في هذا اليوم، لقمة من اللبن الصرف