المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٩٤ - أخبار الشعراء
ما تجيئين به اليوم» . فتحادثنا ساعة، ثم قالت تلك الظريفة: «ما أحوج هذين إلى الخلوة، فنهضت و سائر النساء، فصرت إلى بيت قريب منهما حيث أراهما، فما ارتبت بشيء، و لا رأيت امرا كرهته، فلبث ساعة، ثم أتاني، و معه قارورة و ثلاث قلائد، فقال: «هذا طيب زوّدتناه مي، و قلائد اتحفتك بها ابنة الجودي» .
فكنا نختلف إليها حتى انقضى المربع، و دعانا الصيف، فرحلوا قبلنا، و أتاني ذو الرمّة فقال: «قد ظعنت مي، فلم يبق إلاّ الديار، و النظر إلى الآثار، فاخرج بنا إلى دارها، فخرجت معه، حتى إذا وقفنا عليها، أنشأ يقول:
ألا فاسلمي يا دار ميّ على البلى # و لا زال منهلا بجرعائك القطر
حتى أتى على آخرها، ثم انهملت عيناه بصبره. فقلت له: «ما هذا» ؟فقال: «إني لجليد، و إن كان مني ما ترى» . فما رأيت أحدا أحسن شوقا و صبابة و عزاء منه.
و عن سليمان، رواية أبي نواس، قال: كنت مع أبي نواس أسير حتى انتهينا إلى درب القراطيس، فخرج من الدرب شيخ نصراني، و خلفه غلام كأنه غصن بان يتثنى كأحسن ما رأيت، فقال: «يا سليمان، أما ترى الدرة خلف البصرة» ؟ثم قال: «هل لك أن تأخذ مني رقعة فتوصلها إليه» ؟ قلت: «بلى» . فكتبها، و دفعها إليّ، فأوصلتها إليه، فإذا املح غلام و أخفّه روحا، فقال: «من صاحب الرقعة» ؟قلت: «أبو نواس» ، قال:
«أين هو» ؟قلت: «على باب درب القراطيس» . قال: «فليقف مكانه حتى أروح» ، و كان في الرقعة:
تمرّ فأستحييك أن أتكلّما # و يثنيك زهو الحسن عن أن تسلّما
و يهتزّ في ثوبيك كلّ عشيّة # قضيب من الريحان أضحى منعّما!
فحسبك أنّ الجسم قد شفّه الهوى # و أنّ جفوني فيك قد ذرفت دما
أ ليس عجيبا عند كلّ موحّد # غزال مسيحيّ يعذّب مسلما