المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٦٢ - محاسن الغيرة و الحجاب
قيل: «و كان النابغة يشبب بالمتجردة امرأة النعمان بن المنذر» ، و كانت أكمل أهل عصرها جمالا، فبلغ ذلك النعمان، فهم بقتل النابغة فهرب منه، و سار حتى أتى الشام، و الملك بها جبلة بن الأيهم الغساني، فنزل عليه و أقام عنده، و كتب إلى النعمان:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة # لمبلغك الواشي أغشّ و أكذب
قيل: و كانت امرأة شداد أبي عنترة ذكرت له أن عنترة أرادها عن نفسها، فأخذه أبوه فضربه ضرب التلف، فقامت المرأة فألقت نفسها عليه لما رأت ما به من الجراحات، و بكته، و كان اسمها سمية، فقال عنترة:
أ من سميّة دمع العين مذروف # لو كان ذا منك قبل اليوم معروف
كأنّها يوم صدّت ما تكلّمنا # ظبي بعسفان ساجي العين مطروف
قامت تجلّلني لمّا هوى قبلي # كأنّها صنم يعتاد معكوف
المال مالكم و العبد عبدكم # فهل عذابك عنّي اليوم مصروف
قيل: و لما أنشد عبد الحسحاس عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، قصيدته التي يقول فيها:
توسّدني كفا و تمضي بمعصم # عليّ و تنحو رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيّبا من ثيابها # إلى الحول حتّى أنهج البرد باليا
و هبّت لنا ريح الشّمال بقوّة # و لا برد إلاّ درعها و ردائيا
أميل بها ميل الرّديف و أتّقي # بها الرّيح و الشفّان من عن شماليا
رأت قتبا رثّا و أخلاق شملة # و أسود ممّا يلبس النّاس عاريا
تجمّعن شتّى من ثلاث و أربع # و واحدة حتى كملن ثمانيا
سليمى و سلمى و الرّباب و تربها # و أروى و ريّا و المنى و قطاميا
و أقبلن من أقصى البلاد يعدنني # ألا إنّما بعض العوائد دائيا