المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٤ - محاسن الغيرة و الحجاب
و نظر إلى صورة أنوشروان فيه، و إلى صورة الرجل و تركيبه عضوا عضوا، و جارحة و جارحة، فقال للرجل: «أخبرني هل يصور مع صورة الملك رجل خسيس» ؟قال: «لا» ، قال: «فهل في دار الملك اثنان يتشابهان في صورة واحدة حتى يكون هذا كأنه ذاك في الصورة و كلاهما نديما الملك» ؟قال: «لا أعرفه» ، قال له: «قم قائما» ، فقام، فوجد صورته في الجام، فقال له: «أدبر» ، فأدبر، فتأمل صورته في الجام فوجدهما بحكاية واحدة، فضحك، و لم يجسر الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالا له و إعظاما، فقال ملك الروم: «الشاة أعقل من الإنسان إذ كانت تخفي مديتها و تدفنها، و إنما أهديت إلينا مديتك بيدك» . فقال للرجل:
«تعديت» ؟قال: «لا» ، قال: «قربوا له طعاما» ، قال: «أيها الملك أنا عبد، و العبد لا يأكل بحضرة الملك» ، قال الملك: «أنت عبد ما دمت عند ملك الروم، مطلعا على أموره، متتبعا لأسراره، و ملك إذا قدمت بلاد فارس، و نديم ملكها. أطعموه» ، فأطعم و سقي الخمر حتى إذا ثمل، قال: «من سير ملوكنا أن لا نقتل الجاسوس إلاّ في أعلى موضع نقدر عليه، و لا نقتله جائعا، و لا عطشانا.
فأمر به، فأصعد إلى سطح كان يشرف منه على كل من كان في المدينة إذا صعد، فضربت عنقه هناك، و ألقيت جثته من ذلك السطح، و نصب رأسه للناس؛ فلما بلغ ذلك كسرى، أمر صاحب الجرس أن يضرب بأجراس الذهب، و يمر على دور نساء الملك و جواريه، و يقول: «كل نفس ذائقة الموت، كل احد إذا وجب عليه القتل ففي الأرض يقتل، إلاّ من تعرض لحرمة الملك، فإنه يقتل في السماء» ، فلم يدر أحد من أهل المملكة ما أراد به حتى مات.
و مثله من أخبار العرب: ذكروا أنه كان لطسم و جديس ملك يقال له «عمليق» [١] ظلوم غشوم، و كانت لا تزف جارية إلى زوجها إلاّ بدءوه بها،
[١] عمليق: سيد قبائل طسم و جديس في العصر الجاهلي. و طسم و جديس من قبائل العرب البائدة. و هما فرعان من عاد الأولى كانت مساكنهما اليمامة.