المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٥ - مقدمة كتاب المحاسن و الأضداد
امرؤ القيس، و ضحى من أجل وفائه بابنه (محاسن الوفاء) . كما يبدو في الحديث المنسوب إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و الذي يجعل اليهود أكرم الناس نسبا. لقد سئل النبي عن أكرم الناس نسبا فأجاب «يوسف الصديق، صديق اللّه بن يعقوب إسرائيل اللّه بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه، فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ما كان مثلهم و لا يكون مثلهم أحد أبدا» (باب محاسن المفاخرة) .
إن هذه الأقوال و الأخبار التي تبين فضائل الفرس و النصارى و اليهود تخفي خلفها شعوبية متنكرة. و نحن نعلم أن الجاحظ حمل على الشعوبية التي كانت تبغض العرب و تكيد لهم و تحاول تشويه دينهم و تزوير تاريخهم بالدس و النحل و التوليد. و موقف الجاحظ من النصارى و اليهود يختلف عن موقف صاحب المحاسن و الأضداد و من يقرأ رسالة النصارى يتضح له بجلاء أن أبا عثمان لم يكن راضيا عنهم و لا عن الفرس حملة لواء الشعوبية.
و على الرغم من هذه الملامح الفارسية و النصرانية و اليهودية يبقى الكتاب أثرا من صميم الآداب العربية كالبيان و التبيين للجاحظ و الكامل للمبرد و العقد الفريد لابن عبد ربه. أنه يحشد كمية لا بأس بها من أجمل ما تفوه به أبناء العرب في الكتب و المكاتبات و الجوابات و حفظ اللسان و المشورة و الشكر و الصدق و العفو و الصداقة و الوفاء و الكرم و البخل و الشجاعة و الموعظة و الزهد و المرأة و الهدايا الخ.. و يترجم لبعض الشعراء و يروي الكثير من أشعارهم ابتداء بامرئ القيس الجاهلي حتى عبد اللّه بن المعتز ٩٠٨ م مرورا بالأخطل و كثير و ذي الرمة و أبي تمام و أبي نواس الخ.. و يروي الكثير من أخبار خلفاء الدولة الأموية و الدولة العباسية و قوادهم، هذا عدا الأحاديث النبوية الشريفة و أقوال الخلفاء الراشدين الأربعة في مختلف الموضوعات التي عرض لها.