المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٤٤ - محاسن المفاخرة
فقدمه الزبير و أجاره، و دخل به المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فولى هاربا يعدو حتى دخل دار عبد المطلب فقال: «اجرني من الزبير» ، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي تحتها ساعة ثم قال له: أخرج، قال: «و كيف أخرج و على الباب تسعة من بنيك قد احتبوا بسيوفهم» ؟فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن، له طرتان خضروان، فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره عبد المطلب، فتفرقوا عنه» .
قال: و حضر مجلس معاوية عبد اللّه بن جعفر، فقال عمرو بن العاص: «قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني، و الطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، سدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخيّ العيش، أخّاذ بالسلف، منفاق بالسرف» ، فقال ابن عباس:
«كذبت، و اللّه، أنت، و ليس كما ذكرت، و لكنه للّه ذكور، و لنعمائه شكور، و عن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب، و إذا سئل أجاب، غير حصر و لا هياب؛ و لا عيابة مغتاب؛ حل من قريش في كريم النصاب كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعيّ و لا دنيء، لا كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، و أدناها منصبا ينوء منها بالذليل، و يأوي منها إلى القليل، مذبذب بين الحيين كالساقط بين المهدين، لا المضطر فيهم عرفوه، و لا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال، و بأي حسب تعتد به عند النضال؟أ بنفسك، و أنت الوغد اللئيم، و النكد الذميم، و الوضيع الزنيم؟أم بمن تنمى إليهم، و هم أهل السفه و الطيش، و الدناءة في قريش؟لا بشرف في الجاهلية شهروا، و لا بقديم في الإسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، و تنطق بالزور في غير أقرانك، و اللّه لكان أبين للفضل، و أبعد للعدوان، أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، و طمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك، و لم يورق فيها غصنك» . فقال عبد اللّه