المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٤٣ - محاسن المفاخرة
و انقضى حديثهما.
و روى عن ابن عباس أنه قال: قدمت على معاوية و قد قعد على سريره و جمع من بني أمية و وفود العرب عنده، فدخلت، و سلمت، و قعدت فقال:
«يا ابن عباس من الناس» ؟فقلت: «نحن» ، قال: «فإذا غبتم» ، قلت:
«فلا أحد» ، قال: «فإنك ترى إني قعدت هذا المقعد بكم» ، قلت: «نعم فيمن قعدت» ؟قال: «بمن كان مثل حرب بن أمية» ، قلت: «من كفأ عليه اناءه و أجاره بردائه» .
قال: فغضب و قال: «أرحني من شخصك شهرا، فقد أمرت لك بصلتك، و أضعفتها لك» ، فلما خرج ابن عباس، قال لخاصته: «أ لا تسألونني ما الذي أغضب معاوية» ؟قالوا: «بلى، فقل بفضلك» ، قال:
«إن أباه حربا لم يلق أحدا من رؤساء قريش في عقبة و لا مضيق إلاّ تقدمه حتى يجوزه، فلقيه يوما رجل من تميم في عقبة فتقدمه التميمي» ، فقال حرب: «أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه و جازه، فقال: موعدك مكة، فخافه التميمي، ثم أراد دخول مكة، فقال: «من يجيرني من حرب بن أمية» ؟فقيل له: «عبد المطلب» ، فقال: «عبد المطلب أجل قدرا من أن يجير على حرب» . فأتى ليلا إلى دار الزبير بن عبد المطلب، فدق بابه فقال الزبير لعبده: قد جاءنا رجل إما طالب قرى، و إما مستجير، و قد أجبناه إلى ما يريد، ثم خرج الزبير إليه، فقال التميمي:
لا لاقيت حربا في مقبلا # و الصّبح أبلج ضوأه للسّارى
فدعا بصوت و اكتنى ليروعني # و سما عليّ سموّ ليث ضاري
فتركته كالكلب ينبح ظلّه # و أتيت قرم معالم و فخار
ليثا هزبرا يستجار بعزّه # رحب المباءة مكرما للجار [١]
و لقد حلفت بمكّة و بزمزم # و البيت ذي الأحجار و الاستار
إنّ الزّبير لما نعي من خوفه # ما كبّر الحجّاج في الأمصار
[١] المباءة: المنزل.