البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٠٧ - باب من الكلام المحذوف ثم نرجع بعد ذلك إلى الكلام الأول
به، فإن السامع شريك القائل، و إنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك، و لو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها، كما شقي قائلها.
عوانة قال: اختصم إلى زياد رجلان في حق كان لأحدهما على الآخر، فقال المدّعى عليه: أيها الأمير، إنه ليسطو عليّ بخاصة ذكر أنها له منك.
فقال زياد: صدق، و سأخبرك بمنفعتها له: أن يكن الحق له عليك أخذتك به، و إن يكن لك عليه حكمت عليه ثم قضيت عنه.
قال: و لما توفي أبو بكر الصديق رحمه اللّه، قامت عائشة على قبره فقالت: نضّر اللّه وجهك، و شكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلا بادبارك عنها، و للآخرة معزا بإقبالك عليها. و إن كان لأجل الأرزاء بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رزؤك، و لأكبر المصائب فقدك. و إن كتاب اللّه ليعيد بجميل العزاء عنك حسن العوض منك. فأنتجز من اللّه موعوده فيك بالصبر عنك، و استخلصه بالاستغفار لك.
و قامت فرغانة بنت أوس بن حجر على قبر الأحنف بن قيس و هي على راحلة، فقالت: إنّا للّه و إنا إليه راجعون. رحمك اللّه أبا بحر من مجنّ في جنن، و مدرج في كفن، فو الذي ابتلانا بفقدك، و أبلغنا يوم موتك، لقد عشت حميدا، و مت فقيدا، و لقد كنت عظيم الحلم، فاضل السلم، رفيع العماد، واري الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، و إن كنت في المحافل لشريفا، و على الأرامل لعطوفا، و من الناس لقريبا، و فيهم لغريبا. و إن كنت لمسوّدا، و إلى لخلفاء لموفدا، و إن كانوا لقولك لمستمعين، و لرأيك لمتبعين. ثم انصرفت.