البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٠٣ - باب من الكلام المحذوف ثم نرجع بعد ذلك إلى الكلام الأول
علي بن محمد، عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعثني و عمران بن حصين عثمان بن حنيف إلى عائشة فقال: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك، أ هذا عهد عهده إليك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أم رأي رأيته؟قالت: «بلى رأي رأيته حين قتل عثمان، إنّا نقمنا عليه ضربة السوط، و موقع السحابة المحماة، و أمرة سعيد الوليد، فعدوتم عليه فاستحللتم منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، و حرمة الخلافة، و حرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص [١] الاناء فاستنقى، فركبتم هذه منه ظالمين، فغضبنا لكم من سوط عثمان، و لا نغضب لعثمان من سيفكم؟» .
قلت: و ما أنت و سيفنا و سوط عثمان، و أنت حبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، أمرك أن تقرّي في بيتك فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض. قالت: و هل أحد يقاتلني أو يقول غير هذا؟قلنا: نعم. قالت: و من يفعل ذلك أ زنيم [٢] بني عامر؟ثم قالت: هل أنت مبلغ عني يا عمران؟قال: لا، لست مبلغ عنك خيرا و لا شرا. فقلت: لكني مبلغ عنك فهاتي ما شئت. فقالت: اللهم اقتل مذمّما قصاصا بعثمان-تعني محمد بن أبي بكر-و أرم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، و أدرك عمارا بخفرته في عثمان.
حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، أن زيادا بعث الحكم بن عمرو على خراسان، فأصاب مغنما، فكتب إليه زياد:
«إن أمير المؤمنين معاوية كتب إلي يأمرني أن أصطفي له كلّ صفراء و بيضاء، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما كان من ذهب و فضة فلا تقسمه و اقسم ما سوى ذلك» . فكتب إليه الحكم: «إني وجدت كتاب اللّه قبل كتاب أمير المؤمنين و و اللّه لو أن السموات و الأرض كانتا رتقا على عبد فاتقى اللّه لجعل اللّه له منها مخرجا. و السلام» . ثم أمر المنادي فنادى في الناس: أن أغدوا على غنائمكم. فغدوا فقسمها بينهم.
قال: و قال خالد بن صفوان: «ما رأينا أرضا مثل الأبلّة أقرب مسافة، و لا أطيب نطفة، و لا أوطأ مطية، و لا أربح لتاجر، و لا أخفى لعابد» .
[١] ماص الاناء: غسله.
[٢] الزنيم: الدعي في النسب.