البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٩٦ - باب من الكلام المحذوف ثم نرجع بعد ذلك إلى الكلام الأول
و قال عمرو بن العاص لأهل الشام يوم صفين: «اقيموا صفوفكم مثل قص الشارب، و اعيرونا جماجمكم ساعة من النهار، فقد بلغ الحق مقطعه، و إنما هو ظالم أو مظلوم» .
و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يومئذ: «عضوا على النواجذ من الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام» .
و قال رجل: طد رجلك إذا اعتصيت [١] بالسيف و العصا، و أنت مخيّر في رفعها ساعة المسالمة و الموادعة.
و لما أقاموا ابن قميئة بين العقابين قال له ابوه: طد رجليك بالأرض، و اصر إصرار الفرس، و اذكر أحاديث غد، و إياك و ذكر اللّه في هذا الموضع، فإنه من الفشل.
قال: و قيل للحجاج: من أخطب الناس؟قال: صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة. يعني الحسن.
و قال الأحنف: قال عمر: تفقهوا قبل أن تسوّدوا. و قال عمر: احذر من فلتات الشباب كل ما أورثك النبز [٢] و أعلقك اللقب، فإنه إن يعظم بعدها شأنك يشتد على ذلك ندمك.
و لما بنى عقبة بن غزوان و أصحابه بالبصرة بناء اللبن، كتب إليهم عمر:
«قد كنت أكره لكم ذلك فإذا فعلتم ما فعلتم فعرضوا الحيطان، و ارفعوا السمك، و قاربوا بين الخشب» . و لما بلغه أنهم قد اتخذوا الضياع و عمروا الأرض كتب إليهم: «لا تنهكوا وجه الأرض، فإن شحمتها فيه» .
و قال عمر: «بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك» : و قال: «فرقوا بين المنايا، و اجعلوا الرأس رأسين» .
[١] وطد رجله: أثبتها و ثقلها. اعتصى بالسيف: مسكه مسك العصا و هو يضرب به.
[٢] النبز: اللقب، للذم.