البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٧٣ - باب النّوكى
و لما حصر عبد اللّه بن عامر على منبر البصرة، فشق ذلك عليه قال له زياد: أيها الأمير، إنك إن أقمت عامة من ترى إصابه أكثر مما أصابك.
و قيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر و تكلم. فلما صعد حصر و قال: الحمد للّه الذي يرزق هؤلاء!و بقي ساكتا، فأنزلوه.
و صعد آخر فلما استوى قائما و قابل بوجهه وجوه الناس وقعت عينه على صلعة رجل فقال: اللهم العن هذه الصلعة! و قيل لوازع اليشكري: قم فاصعد المنبر و تكلّم. فلما رأى جمع الناس قال: لو لا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة اليوم ما جمّعت، و أنا أشهدكم أنها مني طالق ثلاثا! و لذلك قال الشاعر:
و ما ضرّني أن لا أقوم بخطبة # و ما رغبتي في ذا الذي قال وازع
قال: و دخلت على أنس بن أبي شيخ، و إذا رأسه على مرفقه، و الحجام يأخذ من شعره، فقلت له: ما يحملك على هذا؟قال: الكسل، قال:
قلت: فإن لقمان قال لابنه: إياك و الكسل، و إياك و الضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا، و إذا ضجرت لم تصبر على حق. قال: ذاك و اللّه إنه لم يعرف لذة الكسولة.
قال: و قيل لبحر بن الأحنف: ما يمنعك أن تكون مثل أبيك؟قال:
الكسل.
و قال الآخر:
أطال اللّه كيس بني رزين # و حمقي أن شريت لهم بدين
أ أكتب إبلهم شاء و فيها # بريع فصالها بنتا لبون [١]
فما خلقوا بكيسهم دهاة # و لا ملحاء بعد فيعجبوني
[١] الريع: الزيادة. فصال: جمع فصيل و هو ولد الناقة. بنت لبون: ذات لبن.