البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٧٦ - مقطعات و خطب قصيرة
تعزية امرأة للمنصور على أبي العباس مقدمه من مكة. قالت: أعظم اللّه أجرك، فلا مصيبة أجل من مصيبتك، و لا عوض أعظم من خلافتك.
و قال عثمان بن خريم للمنصور، حين عفا عن أهل الشام في أجلابهم مع عبد اللّه بن علي عمه: يا أمير المؤمنين: لقد أعطيت فشكرت، و ابتليت فصبرت، و قدرت فغفرت.
و قال آخر: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، و التجاوز فضل، و المتفضل قد تجاوز حد المنصف. فنحن نعيذ أمير المؤمنين باللّه أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين.
و قال آخر: من انتقم فقد شفي غيظ نفسه، و أخذ أقصى حقه. و إذا انتقمت فقد انتصفت، و إذا عفوت فقد تطوّلت. و من أخذ حقه و شفي غيظه لم يجب شكره، و لم يذكر في العالمين فضله. و كظم الغيظ حلم، و الحلم صبر، و التشفي طرف من العجز، و من رضي ألا يكون بين حاله و بين حال الظالم إلا ستر رقيق، و حجاب ضعيف، فلم يجزم في تفضيل الحلم، و في الاستيثاق من ترك دواعي الظلم. و لم تر أهل النهي و المنسوبين إلى الحجا و التقى. مدحوا الحلماء بشدة العقاب، و قد ذكروهم بحسن الصفح، و بكثرة الاغتفار، و شدة التغافل. و بعد فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب، و العافي مستدع لشكرهم، آمن من مكافأتهم أيام قدرتهم، و لأن يثنى عليك باتساع الصدر خير من أن يثنى عليك بضيق الصدر. على أن إقالتك عثرة عباد اللّه موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد اللّه، و عفوك عنهم موصول بعفو اللّه عنك، و عقابك لهم موصول بعقاب اللّه لك.
و قالوا: الموت الفادح، خير من اليأس الفاضح.
و قال آخر: لا أقل من الرجاء. فقال آخر: بل اليأس المريح.
و قال عبد اللّه بن وهب الراسبي: ازدحام الجواب مضلة للصواب، و ليس الرأي بالارتحال، و لا الحزم بالاقتضاب، فلا تدعونّك السلامة من خطأ موبق، أو غنيمة نلتها من صواب نادر، إلى معاودته، و التماس الأرباح من قبله. إن