البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٤٣
و قال الآخر:
لا تضجرنّ و لا تدخلك معجزة # فالنجح يهلك بين العجز و الضجر
و قال محمد بن يسير:
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها # فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا
لا تيأسن و إن طالت مطالبة # إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته # و مد من القرع للأبواب أن يلجا
لا يمنعنك يأس من مطالبة # فضيق السّبل يوما ربما انتهجا
و قال بعض ظرفاء الأعراب:
و إن طعاما ضمّ كفي و كفها # لعمرك عندي في الحياة مبارك
فمن أجلها استوعب الزاد كله # و من أجلها تهوى يدي فتدارك
و قال:
كأني لما مسّني السّوط مقرم # من العجم صعب أن يقاد نفور
فكم قد رأينا من لئيم موطأ [١] # صبور على مس السياط وقور
و ذي كرم في القوم نهد مشيّع [٢] # جزوع على مس السياط ضجور
و قال أحيحة بن الجلاح:
استغن عن كلّ ذي قربى و ذي رحم # إن الغني من استغنى عن الناس
و البس عدوك في رفق و في دعة # لباس ذي إربة للدهر لباس [٣]
و لا تغرنك أضغان مزملة # قد يضرب الدبر الدامي بأحلاس [٤]
[١] موطأ: مذلل.
[٢] النهد: القوي. المشيع: الشجاع.
[٣] الاربة: الدهاء و البصر بالامور. لبس الدهر، أن يجعل المرء نفسه وفقا لزمانه.
[٤] الدبر: البعير المصاب بالقرحة. الاحلاس جمع حلس كل شيء وضع على ظهر البعير أو الدابة تحت الرحل أو السرج.