البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٤ - خطبة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في الوداع
ألا هل بلغت؟اللهم اشهد.
أيها الناس، إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، كلكم لآدم و آدم من تراب. أكرمكم عند اللّه أتقاكم، إن اللّه عليم خبير. و ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.
ألا هل بلغت؟اللهم أشهد! قالوا: نعم. قال: فليبلّغ الشاهد الغائب.
أيها الناس، إن اللّه قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية، و لا تجوز وصية في أكثر من الثلث. و الولد للفراش، و للعاهر الحجر. من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل منه صرف و لا عدل. و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.
و عن الحسن قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فلما رآه قال: هذا سيد أهل الوبر. فقال: يا رسول اللّه، خبرني عن المال الذي لا تكون عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني، أو عيال كثروا علي. قال: «نعم المال الأربعون، و الأكثر الستون، و ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى في رسلها و نجدتها، و أطرق فحلها [١] ، و أفقر ظهرها [٢] ، و نحر سمينها، و أطعم القانع و المعتر [٣] » . قال: يا رسول اللّه، ما أكرم هذه الأخلاق و أحسنها، و ما يحل بالوادي الذي أكون فيه أكثر من إبلي. قال: فكيف تصنع بالطروقة؟قال:
تغدو الابل و يغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعيد فذهب به. قال: فكيف تصنع في الافقار؟قال إني لأفقر البكر الضرع، و الناب المسنة. قال: فكيف تصنع بالمنيحة [٤] ؟قال: إني لأمنح في كل سنة مائة. قال: فأي المال
[١] أطرق فحلها: أعاره ليضرب في ابله.
[٢] افقر ظهرها: اعاره للركوب.
[٣] القانع و المعتر: السائل و الطالب.
[٤] المنيحة: ان يطعم الرجل لبن شاته لآخر.