البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٥٣ - باب اللحن
و نوادر كثيرة من كلام المجانين و أهل المرّة [١] من الموسوسين، و من كلام أهل الغفلة من النوكى، و أصحاب التكلف من الحمقى، فجعلنا بعضها في باب الاتعاظ و الاعتبار، و بعضها في باب الهزل و الفكاهة. و لكل جنس من هذا موضع يصلح له. و لا بد لمن استكدّه الجد من الاستراحة إلى بعض الهزل.
قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا له في حلبة، فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبه، بأي شيء اسميه؟فقال: أفقأ إحدى عينيه، و سمه الأعور.
و شعراء مضر يحمّقون رجال الأزد و يستخفون أحلامهم. قال عمر بن لجأ:
تصطكّ ألحيها على دلائها # تلاطم الأزد على عطائها
و قال بشار:
و كأنّ غلي دنانهم في دورهم # لغط العتيك على خوان زياد
و قال الراجز:
لبّيك بي أرفل في بجادي # حازم حقويّ و صدري باد [٢]
أفرّج الظلماء عن سوادي # أقوى لشول بكرت صواد
كأنما أصواتها بالوادي # أصوات حجّ من عمان غاد
و قال الآخر في نحوه:
فإذا سمعت هديلهن حسبته # لغط المقاول في بيوت هداد
و بسبب هذا يدخلون في المعنى قبائل اليمانية. و قال ابن أحمر:
أخالها سمعت عزفا فتحسبه # أهابة القسر ليلا حين تنتشر
[١] المرة: أخلاط البدن: الدم، البلغم، المرة الصفراء و السوداء.
[٢] الحقو: معقد الإزار عند الكشحين.