الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم - الشيخ يوسف بن حاتم العاملي - الصفحة ٦٩٥ - فصل في ذكر مولده وشيء من صفاته
على نعشي واحملني وصلّ عليّ ، واعلم أنّ صاحب الصلاة ابني محمّد فإذا أرادوا أن يحفروا قبري فإنّه سيجعل قبر أبيه هارون الرشيد قبلة لقبري ، ولن يكون ذلك أبدا ، فإذا ضربوا بالمعاول ستنبو عن الأرض ولا تنحفر لهم فيها ولا قلامة الظفر ، فإذا اجتهدوا في ذلك فقل لهم : إنّي أمرتك أن تضرب معولا واحدا في قبلة أبيك الرشيد ، فإذا ضربت معولا فانفذ في الأرض فترى قبرا محفورا وضريحا قائما ، فإذا انفرج ذلك القبر فلا تنزلني فيه حتى تقرب منه فترى ماء أبيض فيمتلئ به ذلك القبر مع وجه الأرض ، ثمّ يضطرب فيه حوت بطوله ، فإذا اضطرب فلا تنزلني في القبر حتى إذا غاب الحوت منه وغار الماء فانزلني في القبر ولحّدني ذلك الضريح ، ولا تتركهم يأتوا بتراب ليلقوه في قبري فإنّ القبر ينطبق من نفسه ويمتلئ ويرتفع. فقلت : نعم يا سيّدي. قال : ثمّ قال لي : احفظ ما عهدت به إليك واعمل به ولا تخالف. قلت : أعوذ بالله أن اخالف لك أمرا. قال هرثمة : ثمّ خرجت من عنده باكيا حزينا ، فلم أزل كالحبّة على المقلّى [١] لا يعلم أحد ما في نفسي إلاّ الله عزّ وجلّ. ثمّ دعاني المأمون فلم أزل قائما إلى أن أضاء النهار. ثمّ قال لي المأمون : امض يا هرثمة إلى أبي الحسن الرضا فأقرأه عنّي السلام وقل له : تصير إلينا أو نصير إليك ، فإن قال لك : بل يصير إلينا فسله أن يقدّم ذلك. قال : فجئته ، فلمّا طلعت على مولاي الرضا عليهالسلام قال لي : يا هرثمة أليس قد حفظت ما وصيّتك به؟ قلت : بلى. قال : قدّموا نعلي فقد علمت ما أرسلك به. فقدّمت نعله ومشى إليه ، فلمّا دخل عليه قام المأمون إليه قائما معانقا له وقبّل بين عينيه وأجلسه إلى جانبه على سريره وأقبل عليه يحادثه ساعة من النهار ، ثمّ قال لبعض غلمانه : آتني بعنب ورمّان قال هرثمة : فلمّا سمعت ذلك لم أستطع الصبر ورأيت النفضة قد عرضت في جسدي ، فكرهت أن يتبيّن ذلك في وجهي فتراجعت القهقرى حتى خرجت فرميت بنفسي في موضع من الدار ، فلمّا قرب زوال الشمس أحسست بسيّدي عليهالسلام قد خرج من
[١] في المصدر : مقلاة ، وهي وعاء من نحاس أو خزف يقلى فيه الطعام ، يقال : « هو على المقلاة » من الجزع.