الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم - الشيخ يوسف بن حاتم العاملي - الصفحة ٣٠٤ - نقص الفرات وتكلّم الحيتان
فتطاول الثعبان إليه حتى التقم اذنه ، وسكت الناس وتحيّروا لذلك ، فنقّ نقيقا سمعه كثير منهم ، ثمّ إنّه زال عن مكانه وأمير المؤمنين عليهالسلام يحرّك شفتيه والثعبان كالمصغي إليه ثمّ انساب وكأنّ الأرض ابتلعته ، وعاد أمير المؤمنين عليهالسلام الى خطبته فتمّمها.
فلمّا فرغ منها ونزل اجتمع الناس إليه فسألوه عن حال الثعبان والاعجوبة فيه ، فقال لهم : ليس ذلك كما ظننتم وإنّما هو حاكم من حكّام الجنّ التبس عليه قضية فصار إليّ يستفهمني عنها فأفهمته إيّاها ودعا لي بخير وانصرف [١].
وربما استبعد كثير من الناس ظهور الجنّ في صور الحيوان ، وذلك معروف عند العرب قبل البعثة وبعدها. وقد أجمع اهل القبلة أنّ إبليس ظهر لأهل الندوة في صورة شيخ نجدي وشاركهم في الرأي على المكر برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم [٢]. وما ظهور الجنّ في صور الحيوان بأبعد من هذا.
قيل : لمّا توجّه أمير المؤمنين عليهالسلام الى صفّين لحق أصحابه عطش فأخذوا يمينا وشمالا يلتمسون الماء فلم يجدوا له أثرا ، فعدل بهم أمير المؤمنين عليهالسلام الى الجادة وسار قليلا فلاح لهم دير في صدر البرّية ، فسار بهم نحوه حتى إذا صار في فنائه أمر من ينادي ساكنه بالاطلاع إليهم ، فنادوه فأطلع عليهم ، فقال له أمير المؤمنين عليهالسلام : هل قرب قائمك هذا ماء يتغوّث به هؤلاء القوم؟
فقال : هيهات بيني وبين الماء أكثر من فرسخين وما بالقرب منّي شيء من الماء ، ولو لا أنّني اوتي بما يكفيني في كلّ شهر على التقتير لتلفت عطشا.
فقال أمير المؤمنين عليهالسلام : أسمعتم ما قال الراهب؟
قالوا : نعم فتأمرنا بالمسير الى حيث أومى إليه لعلّنا ندرك الماء وبنا قوّة.
قال أمير المؤمنين عليهالسلام : لا حاجة لكم الى ذلك ، ولوى عنق بغلته نحو القبلة وأشار الى مكان بالقرب من الدير فقال لهم : اكشفوا الأرض في هذا المكان ، فعدل
[١] الإرشاد : ص ١٨٣ ـ ١٨٤ في تكلّم الحيتان معه عليهالسلام. [٢] الإرشاد : ص ١٨٤.