الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم - الشيخ يوسف بن حاتم العاملي - الصفحة ٣٨٢ - وقعة النهروان
قال : قلت : يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك فأين أطلب هؤلاء؟ قال لي : في أطراف الأرض ، هؤلاء والله يا نوف شيعتى ، يجيء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو آخذ بحجزة ربّه ، وأنا آخذ بحجزته ، وأهل بيتي آخذون بحجزتي ، وشيعتي آخذون بحجزنا ، فإلى أين يا نوف؟ فإلى الجنّة وربّ الكعبة ـ ثلاثا ـ.
يا نوف أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، يفترشون جباههم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يتناجون في فكاك رقابهم. وأمّا النهار فحكماء ، نجباء ، كرام ، أتقياء. يا نوف بشّر الزاهدين ، نعم ساعة الزاهدين ، أما انّها ساعة لا يسأل الله فيها عبد إلاّ أعطاه الله ما لم يكن حاشرا أو عاشرا أو ساحرا أو صاحب كوبة [١] أو صاحب عرطبة [٢].
يا نوف شيعتي الذين اتّخذوا الأرض بساطا ، والماء طيبا ، والقرآن شعارا ، قرضوا الدنيا قرضا قرضا على منهاج المسيح عيسى بن مريم عليهمالسلام [٣].
وقيل له : يا أمير المؤمنين من خيار الناس؟ قال : الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساءوا استغفروا ، وإذا اعطوا شكروا ، وإذا ابتلوا صبروا ، وإذا اغضبوا غفروا.
وقال عليهالسلام : الدنيا صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غناء لمن تزوّد منها ، مسجد أنبياء الله ، ومصلّى ملائكته ، ومهبط وحيه ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، ومثلت لهم ببلاياها البلاء ، وسوّقت بسرورها إلى السرور ، وراحت بفجيعة ، وابتكرت بعافية تحذيرا وترغيبا وتخويفا ، فذمّها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون ذكّرتهم فذكروا وصدّقتهم فصدقوا. فيا أيّها الذامّ الدنيا المغترّ بغرورها متى استذمّت لك الدنيا؟ بل متى غرّتك من نفسها بمضاجع آبائك من البلى ، أم بمصارع امّهاتك من الثرى؟ كم قد علّلت بنفسك ومرضت بيدك تبغي له الشفاء وتستوصف له الأطبّاء ، لم تنفعه بشفائك ، ولم تسعف له
[١] الكوبة : الطبل. [٢] العرطبة : الطنبور. في الاصل : العربطة. [٣] نهج البلاغة : ص ٤٨٦ حكمة ١٠٤ ط. صبحي الصالح.