العباس بن علي عليهما السلام - باقر شريف القرشي - الصفحة ٢٢٤
الدماء وألم الجراح ، وشدّة العطش ، وكان ذلك حقّاً هو منتهى ما وصلت إليه الإنسانية من الشرف والوفاء والرحمة ... وبينما هو يركض وهو بتلك الحالة إذ أصاب القربة سهم غادر فأريق ماؤها ، ووقف البطل حزيناً ، فقد كان إراقة الماء عنده أشدّ عليه من قطع يديه ، وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته ، وهوى إلى الأرض ، وهو يؤدّي تحيّته ، ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً :
« عليك منّي السلام أبا عبد الله ... ».
وحمل الأثير محنته إلى أخيه فمزّقت قلبه ، ومزّقت أحشاءه ، وانطلق نحو نهر العلقمي حيث هوى إلى جنبه أبو الفضل ، واقتحم جيوش الأعداء ، فوقف على جثمان أخيه فألقى بنفسه عليه ، وجعل يضمخه بدموع عينيه ، وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزّقته الكوارث قائلاً :
« الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدويّ ... ».
وجعل إمام الهدى يطيل النظر إلى جثمان أخيه ، وقد انهارت قواه ، وانهدّ ركنه وتبددت جميع آماله ، وودّ أن الموت قد وافاه قبله ، وقد وصف السيّد جعفر الحلّي حالته بقوله :
|
فمشى لمصرعه الحسين وطرفه |
|
بين الخيام وبينه متقسم |
|
ألفـاه محجوب الجمال كأنّه |
|
بدر بمنحطم الوشيج ملثم |
|
فأكب منحنياً عليه ودمعه |
|
صبغ البسيط كأنّما هو عندم |
|
قد رام يلثمه فلم ير موضعاً |
|
لم يدمه عـضّ السلاح فيلثم |
|
نادى وقد ملأ البوادي صيحة |
|
صم الصخور لهولها تتألّم |
|
أأخي يهنيك النعيم ولم أخل |
|
ترضى بأن أرزى وأنت منعم |
|
أأخي من يحمي بنات محمد |
|
اذ صرن يسترحمن من لا يرحم |