المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٤ - الأمر التاسع الحقيقة الشرعية
د. (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)[١].
فقد نزلت هذه الآيات في أوائل سنوات البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج، وكُلُّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر البعثة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني بلا قرينة، وأنّ الوحي الإلهي استخدم اللغة الدارجة بين قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يصف صلاة المشركين عند البيت بالمكاء والتصدية، ويقول: (وَ مَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَ تَصْدِيَةً)[٢] .
فأثبت لهم صلاة وحكم بأنّها لم تكن إلاّ مُكاءً وتصدية، و «المكاء» هو الصفير، و «التصدية» هي التصفيق. وهذا يدلّ على وجود الصلاة بينهم عند البيت ولكنّهم لعبوا بها فأدخلوا فيها ما ليس بصلاة، بل حصروها فيها.
وعلى هذا فهذه الألفاظ كانت حقائق في هذه المعاني قبل بعثة النبي، سواء أسميناها بالحقائق اللغوية أم العرفية أم الشرعية. وعند ذلك ينتفي ما رتب على النزاع من الثمرة، حيث قالوا: إنّه لو ثبتت الحقيقة الشرعية يحمل كلّ ما ورد في لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الألفاظ على تلك المعاني، وأمّا لو لم يثبت إلاّ في لسان المتشرّعة يحمل على المعنى اللغوي.
وأمّا حسب القول الرابع فالجميع يحمل على هذه المعاني من غير فرق بين كون وقت الاستعمال معلوماً أو مجهولاً.
[١] الكوثر: ١ ـ ٢.
[٢] الأنفال: ٣٥ .