صفحات من التاريخ السياسي للشيعة - فوزي آل سيف - الصفحة ٩٦ - القرن الثامن ومرجعيات شيعية
بل إنه قد استحدث الشهيد الأول نظاما خاصا لجباية الخمس وتوزيع العلماء في المناطق، وكان لهذا العمل الفكري والثقافي والتنظيمي الذي نهض به الشهيد ومن خلفه من فقهاء الشيعة دور كبير في حفظ التشيع في بلاد الشام[١].
وقد تكرست (كرك نوح في بعلبك)[٢] كحاضرة علمية مهمة لدراسة العلم الديني الجعفري، فانجبت شخصية بمستوى الشيخ علي عبد العال المعروف بالمحقق الكركي الشيخ علي بن عبد العال (ت٩٤٠هـ) صاحب جامع المقاصد والذي كانت دراسته في معظمها في تلك المنطقة والذي بقي في بلده كرك مدرسا ومفتيا إلى أن استدعاه الشاه طهماسب الصفوي ليكون شيخ الإسلام في بلاد إيران.
إن إنجاب الجماعة الشيعية لفقيه أو فقهاء، علامة لا تخطئ في أمرين هامين يتصلان بدرجة وعي هذه الجماعة وبالظروف التاريخية التي
[١] الغروي محمد هادي في مقدمة رياض المسائل: ج١، ص٦٦.
[٢] كانت بلدة الكرك معقلا للشيعة منذ الفتح الإسلامي، بسبب وجود بعض القبائل الموالية للإمام علي ٧ مع الجيوش التي فتحت بلاد الشام ودخلت البقاع، أمثال الهمدانيين وخزاعة التي تفرع منها الحرافشة (!)، وحتى الأوزاعي الذي درس في الكرك يبدو متأثرا بطريقة الشيعة في الرواية عن أهل البيت. وانحصرت تراجم الأعلام الكركيين الذين عثرت عليهم في بطون الكتب خلال قرون عدة على الشيعة فقط، ولم أقع على ترجمة واحدة لعالم كركي من المذاهب الأربعة. وازدهرت مدرسة الكرك في القرنين العاشر والحادي عشر وبلغت درجة مرموقة من حيث عدد العلماء والطلاب، وأنواع العلوم التي تعطى وطرق التدريس، فقصدها طلاب المعرفة من مختلف الأقطار، وخصوصا من جبل عامل، أمثال الشهيد الثاني زين الدين الجبعي، الذي رحل إلى كرك نوح طلبا للأخذ من مشايخها، يرافقه الشيخ حسين بن عبد الصمد -والد البهاء- ومن العلماء الذين أموا الكرك وقرأوا على مشايخها علي بن هلال الجزائري..، راجع: جامع المقاصد، المحقق الكركي، ج١، تكملة مقدمة التحقيق: ص٢٨.