فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٥ - ١٤ - الإنسان و الله
أن الكثرة و مظاهر الكون هي كل ما له وجود و كل ما له حقيقة. و لكن ابن عربي لم يهبط إلى هذا المستوي، و لم يغفل جانب الألوهية أو جانب الروحية في الوجود العام. بل على العكس غلَّب جانب الحق على جانب الخلق في الوحدة الوجودية حتى أصبح العالم مجرد ظل لا حقيقة له و لا وجود إلا بمقدار ما يفيض على الظل من صاحب الظل. و قد أنصف ابن تيمية، مع شدة إنكاره على ابن عربي، عند ما قال: «إنه أقرب القائلين بوحدة الوجود إلى الإسلام و أحسن منهم كلاماً في مواضع كثيرة فإنه يفرق بين الظاهر و المظاهر ... و يأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق و العبادات [١]».
١٤- الإنسان و اللَّه
كان للحسين بن منصور الحلاج- أعظم من استشهد في الطريق الصوفي في أوائل القرن الرابع الهجري- أكبر الأثر في وضع أساس النظرية الفلسفية الصوفية التي عرفت عند ابن عربي و عبد الكريم الجيلي بنظرية الإنسان الكامل، و قُدِّر لها أن تلعب دوراً هاماً في تاريخ التصوف الاسلامي منذ عهدهما. فالحلاج أول من تنبه إلى المغزى الفلسفي الذي تضمنه الأثر اليهودي المشهور القائل بأن اللَّه تعالى خلق آدم على صورته [٢]، أي على الصورة الإلهية، و بنى على هذا الأثر نظريته في الحلول مفرِّقاً بين ناحيتين مختلفتين في الطبيعة الانسانية هما اللاهوت و الناسوت. و هما في نظره طبيعتان لا تتخذان أبداً، بل تمتزج إحداهما بالأخرى كما تمتزج الخمر بالماء.
[١] رسائل ابن تيمية طبعة المنار ج ١ ص ١٧٦.
[٢] ينسب الصوفية هذا القول خطأ إلى النبي عليه السلام.