فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤٢ - ١٦ - خاتمة
لا عذاب و لا ثواب إذن بالمعنى الديني في الدار الآخرة، بل مآل الخلق جميعاً إلى النعيم المقيم، سواء منهم من قدر له الدخول في الجنة، و من قدر له الدخول في النار، فإن نعيم الجميع واحد و إن اختلفت صوره و تعددت أسماؤه.
يقول ابن عربي في حق أهل النار:
|
و إن دخلوا دار الشقاء فإنهم |
على لذة فيها نعيم مباين |
|
|
نعيم جنان الخلد و الأمر واحد |
و بينهما عند التجلي تباين |
|
|
يسمى عذاباً من عذوبة لفظه |
و ذاك له كالقشر و القشر صائن |
|
أما الاختلاف بين أهل الجنة و أهل النار، فاختلاف في درجة كل من الطائفتين في المعرفة باللَّه و مرتبتهم في التحقق بالوحدة الذاتية مع الحق. و حجة ابن عربي واضحة لا لبس فيها، و هي مستمدة من روح مذهبه العام. ذلك أن رحمة اللَّه وَسِعَت كل شي ء، و ليس في الوجود شي ء إلا ذكرته الرحمة الإلهية. و معنى ذكر الرحمة الإلهية لشي ء من الأشياء منح ذلك الشي ء الوجود على النحو الذي هو عليه.
فالنعيم الحقيقي هو الحال التي يكون عليها الإنسان بعد موته و عودته إلى أصله الذي عنه ظهر. هنا لك يتحقق كل من منزلته، و يكون نعيمه على قدر هذه المنزلة، أي على درجة قربه من اللَّه. فمن تحقق بالوحدة الكاملة في حياته و عرف سر هذه الوحدة كان له أعظم قسط من النعيم، و من سترته الحجب عن هذه الوحدة فلم يدرك إلا جزءاً من أسرارها كان نعيمه على قدر إدراكه.
١٦- خاتمة
هكذا اقتضى مذهب وحدة الوجود أن يغير ابن عربي مفاهيم الاصطلاحات الدينية و يستبدل بها مفاهيم أخرى فلسفية صوفية تتفق و روح مذهبه فاللَّه عنده