فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٣٠ - ١٣«١» - فص حكمة ملكية في كلمة لوطية
الشفقة على قومه، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجة عليهم، فإن في ذلك هلاكهم: فيبقي عليهم. و قد علم الرسول أيضاً أن الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة منهم من يؤمن عند ذلك و منهم من يعرفه و يجحده و لا يظهر التصديق به ظلماً و علُوّا و حسداً، و منهم من يُلْحِق ذلك بالسِّحر و الإبهام. فلما رأت الرسل ذلك و أنه لا يؤمن إلا من [١] أقوى همة منه، و ما أثَّرتْ في إسلام أبي طالب عمِّه، و فيه نزلت الآية التي ذكرناها:
و لذلك قال في الرسول إنه ما عليه إلا البلاغ، و قال «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». و زاد ى سورة القصص «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» أي بالذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة. فأثبت [٢] أن العلم تابع للمعلوم. فمن كان مؤمناً في ثبوت عينه و حال عدمه ظهر بتلك الصورة في حال وجوده. و قد علم اللَّه ذلك منه أنه هكذا يكون، فلذلك قال «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
فلما قال مثل هذا قال أيضاً «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» لأن قولي على حد علمي في خلقي، «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» أي ما قدَّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به. بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم، و ما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم مما هم عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون. و لذلك [٣] قال
[١] ب: من قد
[٢] ب: و أثبت
[٣] ا: و كذلك.