فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٩ - ٣ - ابن عربي فيلسوف صوفي
كنا لا ندرك ذلك من أنفسنا و من العالم الذي يحيط بنا لكثرة ما يتعاقب علينا و على العالم من صور الفناء و البقاء. و يصف شعراء الفرس و الترك كيف أضاء الحق بنوره الأزلي جميع نواحي الوجود، و كيف أضاءت أسماؤه بالوجود أعيان الموجودات و هي في حال عدمها الأزلي، فعكست كل عين منها كمالات الأسماء كما تعكس المرايا صور المرئيات، و كيف تجلت صفات الجلال الإلهي في نار الجحيم و في الشياطين و ظهرت صفات الجمال في الجنة و الملائكة، و كيف جمع الإنسان في نفسه هذه الصفات جميعها فكان عالماً صغيراً فيه كل ما في العالم الأكبر من صفات الجمال و الجلال.
هذه بعض المعاني التي تغنّى بها شعراء الفرس و الترك من أصحاب وحدة الوجود و كلها من مذهب ابن عربي في الصميم و من بعض ما أودع في كتابه الفصوص.
٣- ابن عربي فيلسوف صوفي
و لكن ابن عربي و إن وهب بسطة في الفكر و الخيال، و عمقاً في الحس الروحي، يعوزه المنهج الفلسفي الدقيق و التحليل العلمي المنظم. فهو من غير شك فيلسوف صاحب مذهب و مؤسس مدرسة، و لكنه فيلسوف آثر أن يهمل منهج العقل الذي هو منهج التحليل و التركيب و يأخذ بمنهج التصوير العاطفي و الرمز و الإشارة و الاعتماد على أساليب الخيال في التعبير. و ربما كان له عذره في كل ذلك لأنه- ككل صوفي- يعالج مسائل يستعصى على العقل غير المؤيد بالذوق أن يدركها و يستعصى على اللغة غير الرمزية أن تفصح عن أسرارها. و متى كان العقل وحده أداة صالحة للوصول إلى اليقين، أو إلى الحقيقة التي تطمئن إليها النفس؟ و متى كانت اللغة وحدها صالحة للتعبير عن تلك الحقيقة بعد الوصول إليها؟ فابن عربي فيلسوف