فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٧ - ٩ - العلاقة بين الحق و الخلق
العالم وجوداً فهو كوجود الظلال بالنسبة لأشخاصها و صور المرايا بالنسبة للمرئيات. أما العالم في نفسه فليس إلا خيالًا و حلماً يجب تأويله لفهم حقيقته.
و الوجود الحقيقي هو وجود اللَّه وحده. و لذا لم يحتج وجود الحق إلى دليل، و كيف يصح الدليل في حق من هو عين الدليل على نفسه، بل كيف يصح الدليل على وجود النور و به تظهر جميع الموجودات التي نحسها؟ إنما خفي الحق لشدة ظهوره كالشمس تحتجب عن الناظر إليها لشدة ما يبهر ضوؤها بصره. فمذهب ابن عربي إذن صريح في الاعتراف بوجود اللَّه، و لكنه اللَّه الجامع لكل شي ء في نفسه، الحاوي لكل وجود، الظاهر بصورة كل موجود. و غني عن البيان أن هذا التصوير للألوهية ليس التصوير الذي تصوّر به الأديانُ الشخصيةَ الإلهية:
أي الذات الإلهية المتصفة بصفات خاصة تميزها عن صفات الخلق. بل إن الصفة الوحيدة التي يرى ابن عربي انفراد اللَّه بها هي صفة الوجوب الذاتي التي لا قَدَمَ لمخلوق فيها.
٩- العلاقة بين الحق و الخلق
و ليس في الفصوص فكرة منظمة تشرح العلاقة بين الحق و الخلق، الوحدة و الكثرة، على نحو ما نجده في فلسفة أفلوطين في الفيوضات أو فلسفة عبد الكريم الجيلي في التنزلات، فإن ابن عربي يفضل أن يشرح هذه المسألة الميتافيزيقية المعقدة بالالتجاء إلى التشبيه و التمثيل و استعمال ألفاظ المجاز الغامضة مثل التجلي في المرآة و التخلل و السريان في الوجود و التأثير و التصرف و ما إليها. فللحق وجود حقيقي و هذا له في ذاته، و وجود إضافي و هو وجوده في أعيان الممكنات و هذا بالنسبة له كالظل الذي يمتد على سائر الموجودات فيعطيها وجودها باسم اللَّه «الظاهر». فالعالم