فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٢٦ - ٨ - القضية الكبرى
حالة من أحوال جذبه بقوله «أنا الحق»، أو ابن الفارض الذي أفناه حبه لمحبوبه عن نفسه فلم يشعر إلا بالاتحاد التام به فقال:
|
متى حِلت عن قولي «أنا هي» أو أقل |
و حاشا لمثلي إنها فيَّ حلّت [١] |
|
أقول: فرق بين هذين الرجلين و بين ابن عربي الذي يقول في صراحة لا مواربة فيها و لا لبس، معبراً لا عن وحدته هو بالذات الإلهية و لا عن فنائه في محبوبه، بل عن وحدة «الحق» و الخلق:
|
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا |
و ليس خلقاً بهذا الوجه فادّكروا |
|
|
جمِّع و فرِّق فإن العين واحدة |
و هي الكثيرة لا تبقي و لا تذر[٢] |
|
بل على افتراض أن «أنا الحق» التي نطق بها الحلاج لم تكن صرخة جذب و لا كلمة شطح، و إنما كانت- كما يقول الأستاذ نيكولسون- تعبيراً عن نظرية كاملة في ثنائية الطبيعة الإنسانية المؤلفة من اللاهوت و الناسوت، فإن أقصى ما يمكن أن نصف به هذه النظرية هو أنها نظرية في الحلول لا في الاتحاد و لا في وحدة الوجود.
و لكن أي صورة من صور القول بوحدة الوجود يمثلها مذهب ابن عربي؟ إنه لا شك ليس مذهباً مادياً يحصر الوجود فيما يتناوله الحس و تقع عليه التجربة، و يعتبر اللَّه اسماً على غير مسمى حقيقي. على العكس هو مذهب روحي في جملته و تفاصيله، يُحلُّ الألوهية من الوجود المحل الأول و يعتبر اللَّه الحقيقة الأزلية و الوجود المطلق الواجب الذي هو أصل كل ما كان و ما هو كائن أو سيكون فإن نَسَبَ إلى
[١] التائية الكبرى ٢٧٧، و معنى البيت: متى تحولت عن دعواي أنني أنا هي( أي المحبوبة): حاشا لمثلي أن يقول إنها حلت في، و هو بهذا ينكر نظرية الحلول التي قال بها الحلاج.
[٢] الفص الإدريسي.