فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٤١ - ١٥ - نتائج مذهب ابن عربي في المسائل الدينية و الخلقية
و يقول: «فما أعطاه الخير سواه و لا أعطاه ضد الخير غيره، بل هو منعِّم ذاته و معذبها: فلا يذمن إلا نفسه و لا يحمدن إلا نفسه. فلله الحجة البالغة في علمه بهم، إذ العلم يتبع المعلوم» (الفص اليعقوبي).
فكأن ابن عربي يفرِّق- كما فرّق الحلاج من قبله- بين نوعين من الأمر:
الإلهي: الأمر التكليفي الذي يخاطب به اللَّه العباد فيطيعونه أو يعصونه على حسب مقتضيات أعيانهم الثابتة. و الأمر التكويني الذي يعبر عنه بالمشيئة الإلهية، و هذه لا تتعلق بشي ء إلا وجد على النحو الذي قدِّر أزلًا أن يكون عليه. فكل شي ء في الوجود خاضع للأمر التكويني، منفذ للإرادة الإلهية، سواء في ذلك الخير و الشر و الطاعة و المعصية و الإيمان و الكفر. فإن أتى الفعل موافقاً للأمر التكليفي سمي طاعة و استلزم الحمد، و إن أتى مخالفاً له سمي معصية و كفراً و استلزم الذم. و هو في كلتا الحالتين عين الطاعة للأمر التكويني. و معنى هذا أن المشيئة الإلهية تتعلق بالفعل من حيث هو، لا بالفاعل الذي يظهر الفعل على يديه. (الفص اللقماني).
و إذا كانت الطاعة و المعصية ليس لهما مدلول حقيقي- أو بالأحرى مدلول ديني- على نحو ما فسرنا، فأحرى بالثواب و العقاب ألا يكون لهما مدلول إيجابي في مذهب كمذهب وحدة الوجود. و أقصى ما يستطيع ابن عربي أن يقوله هو أن الثواب اسم ناشئ عن الطاعة في نفس المطيع، و أن العقاب اسم للأثر الناشى ء عن المعصية في نفس العاصي. و لكنه تمشياً مع منطق مذهبه أميل إلى أن يعتبر العقاب و الثواب- اللذة و الألم- حالتين يشعر بهما الحق نفسه، أي الحق المتعين في صورة العبد. أ لم يقل في أيوب إنه سأل اللَّه أن يرفع الضر عنه، و إن إزالة الألم عن أيوب في الحقيقة إزالة للألم عن الجناب الإلهي، فإن اللَّه قد وصف نفسه بأن يؤذي إلخ؟ (الفص الأيوبي).