فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٥ - ٥ - غموض أسلوبه
الكلام (في نفس الفص) في الصلاة و المصلي إلى الكلام في المصلي و المجلِّي و درجات الناس في قربهم من اللَّه.
٥- غموض أسلوبه
المعروف عن الصوفية إطلاقاً أنهم قوم لا يتكلمون بلسان عموم الخلق، و لا يخوضون فيما يخوض فيه الناس من مسائل علم الظاهر، و إنما يتكلمون بلسان الرمز و الإشارة- إما ضنَّا بما يقولون على من ليسوا أهلًا له، و إما لأن لغة العموم لا تفي بالتعبير عن معانيهم و ما يحسونه في أذواقهم و مواجدهم. أما ما يرمزون إليه فحقائق العلم الباطن الذي يتلقونه وراثة عن النبي، و هذه الحقائق لا يستقل بفهمها عقل، و لا بالتعبير عنها لغة. و هذان الأمران وحدهما كافيان في تفسير الصعوبات التي تعترض سبيل الباحث في فهم معاني الصوفية و مراميهم. و لذا كان الحذر ألزم ما يلزم الناظر في أقوالهم حين يحللها أو يؤولها أو يحكم عليها.
فكثيراً ما زلت أقدام الباحثين في أساليب القوم فصرفوها إلى غير معانيها، أو حمَّلوها ما لا تحتمل، أو أخذوا بظاهرها حيث لا يراد ذلك الظاهر.
و هذه مسألة تنبه إليها القدماء و حذروا من الوقوع فيها، بل نصحوا الناس- طلباً للسلامة، و صوناً للصوفية من أن يتجنى عليهم من ليس منهم، أن يكُفُّوا عن قراءة كتبهم أو يخوضوا في أقوالهم. و قد تردد هذا النصح بوجه خاص في النهي عن مطالعة كتب ابن عربي لما اشتهر به غموض أساليبه و استغلاق معانيه- لا تزهيداً للناس في قراءتها، أو إنكاراً عليه فيما كتبه، و إن حدث ذلك أحياناً، بل حرصاً على ألّا يُساء فهم مقصوده، و حماية لعقيدة القارئين من أن تتسرب إليها شكوكهم في غنى عنها، بسبب قراءتهم لكلام رجل لا يفهمون أغراضه. و الأمثلة على ذلك