فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٠ - ٣ - ابن عربي فيلسوف صوفي
من غير شك من حيث أن له مذهباً في طبيعة الوجود كسائر الفلاسفة، و لكنه فيلسوف صوفي اصطنع أساليب الصوفية و رموزهم للتعبير عن فلسفته. و هذا سبب من أسباب التعقيد الذي نلمسه في كل سطر من أسطر كتبه- لا سيما كتاب الفصوص: فإن القارئ لهذا الكتاب لا يكاد يظفر بالفكرة الفلسفية فيه حتى يجدها و قد غابت عن نظره تدريجاً تحت ستار من الرمزية يغلق معناها إلى حين، ثم تخرج من وراء هذا الستار مرة أخرى منصبة في قالب شعري صوفي يخاطب بها أصحاب الذوق و المواجيد لا أصحاب الفكر و النظر!. إن ابن عربي قد كتب كتبه تحت تأثير نوع من الوحي أو الإلهام، فأنزل في سطورها ما أُنزل به عليه لا ما قضى به منطق العقل، و لهذا يجب أن ننظر إلى مذهبه في جملته لا في تفاصيله، و نستخلص هذه الجملة من بين أشتات التفاصيل التي لا يبدو في ظاهرها انسجام و لا ترابط. و لم يكن الرجل واهماً و لا مفتريا حينما قال في فصوصه «و لا أُنزل في هذا المسطور الا ما ينزل به عليّ، و لست بنبي و لا رسول، و لكني وارث، و لآخرتي حارث». فهو يعتقد عن يقين أن كتابه من إملاء رسول اللّه من غير زيادة و لا نقصان، أملاه عليه في رؤيا رآها في دمشق سنة ٦٢٧ ه، و أنه لم يكن إلا مترجماً لما كاشفه به النبي الذي هو منبع العلم الباطن و مصدر نور المعرفة. كما أنه لم يكن واهماً و لا مخدوعاً عن نفسه عند ما سمى موسوعته الكبرى في التصوف باسم «الفتوحات المكية» و سمى كتاباً آخر بالتنزيلات الموصلية إلى غير ذلك مما يؤيد به دعواه أنه لا يصدر في كتبه عن تفكير أو روية، بل عن كشف و إلهام، و أما ما نطق به فيها لم يكن الا من «الفتوح» الذي يفتح اللَّه به على الخاصة من عباده.
و لكني على الرغم من كل هذا موقن بأن لتفكير ابن عربي نصيباً غير قليل