فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٧ - ١٤ - الإنسان و الله
و يقدسه بقدر ما يتجلى فيه من صفات الكمال الإلهي التي هي الصفات الوجودية لا فرق في ذلك بين صفات الجمال و صفات الكمال، و لا بين ما يسمى في العرف أو في الدين خيراً أو شراً، طاعة أو معصية. فالإنسان الكامل إذن- و هو المرموز إليه بآدم- هو الجنس البشري في أعلى مراتبه لم تجتمع كمالات الوجود العقلي و الروحي و المادي إلا فيه. و الإنسان الكامل، و إن كان مرادفاً للجنس البشري في معظم أقوال ابن عربي، لا يصدق في الحقيقة إلا على أعلى مراتب الإنسان و هي مرتبة الأنبياء و الأولياء. و أكمل هؤلاء على الإطلاق هو النبي محمد[١] (صلعم)- لا محمد النبي المبعوث، بل الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي، فإنه هو المظهر الكامل للذات الإلهية و الأسماء و الصفات. و من هنا كانت طبيعته ثلاثية فردية. فهو الفرد الأول الذي تجلى الحق فيه، و أول الأفراد الثلاثة (الفص المحمدي).
و يشرح ابن عربي الصلة بين الإنسان و اللَّه، و بين الإنسان و العالم، مبيناً منزلة الإنسان من الوجود العام فيقول: إن اللَّه تعالى لما أوجد العالم كان شبحاً لا روح فيه، و كان كمرآة غير مجلوة. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة. (الفص الآدمي): يريد بذلك أن اللَّه تعالى أوجد في العالم لكل صفة من الصفات الإلهية مظهراً من مظاهر الوجود، و لكن العالم الذي تجلت فيه تلك الصفات فرادى على هذا النحو لا تتجلى فيه الحضرة الإلهية الأسمائية و الصفاتية و لا الوحدة الوجودية بتمامها. فكان كمرآة غير مجلوة، أو كجسم لا روح فيه.
لهذا خلق اللَّه الإنسان ليكون جلاء تلك المرآة و روح ذلك الجسم، لأنه وحده الذي
[١] راجع وصفاً مطولًا لأفضلية محمد على سائر الخلق و أسبقيته في الوجود في الفتوحات ج ٢ ص ٩٧.