فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١١ - ٣ - ابن عربي فيلسوف صوفي
في تشكيل مذهبه، و إن كانت موجات الشعور الصوفي المباغتة كثيراً ما قللت من حدة هذا التفكير و طغت عليه و أنزلته المنزلة الثانية. و لهذا لا أرى من الصواب أن نصف مذهبه بأنه مذهب فلسفي بحت- إذا اعتبرنا التفكير و الترابط المنطقي أخص صفات الفلسفة- و لا بأنه مذهب صوفي بحت، إذا اعتبرنا الوجدان و الكشف أخص مميزات التصوف. و لكنه مذهب فلسفي صوفي معاً، جمع فيه بين وحدة التفكير و قوة الوجدان، و حاول أن يوفق فيه بين قضايا العقل و أحوال الذوق و الكشف: و ربما انفرد «الفصوص» من بين كتبه بأنه أكمل صورة جَمع فيها بين هاتين الناحيتين و استغلهما إلى أبعد مدى في تأييد مذهبه في وحدة الوجود. أما أن له مذهباً فلسفياً صوفياً في طبيعة الوجود فهذا ما لا سبيل إلى إنكاره أو الشك فيه، فإِننا نلمس هذا المذهب في كل صفحة من صفحات الفصوص كما نلمسه في كتبه الأخرى لا سيما الفتوحات، و كلما حاول أن يخفيه أو ينطق بغيره عاد إليه فأكده و ارتفع به صوته أشد ما يكون و أعنف ما يكون. غير أننا لا نكاد نظفر بهذا المذهب كاملًا في أي كتاب من كتبه- و إن كان الفصوص أجمعها و أشملها من هذه الناحية- و لذا يجدر بالباحث عن هذا المذهب أن يجمع عناصره المبعثرة في كل مكان و يؤلف بينها حتى يظهر له في وحدته المتماسكة. و ما أشبه ابن عربي في هذا بفنان ألّف لحناً موسيقياً عظيماً ثم بدا له أن يخفيه عن الناس فمزقه و بعثر نغماته بين نغمات ألحان أخرى.
فاللحن الموسيقي العظيم هنالك لمن أراد أن يتكبد مئونة استخلاصه و جمعه من جديد! و قد سجل ابن عربي على نفسه قصد إخفاء مذهبه و الضن بأن يظهره كاملًا في أي كتاب من كتبه في عبارة وردت في الفتوحات (ج ١ ص ٤٧- ٤٨) حيث يقول بعد أن ذكر عقيدة العوام ثم أردفها بعقيدة